الظاهر أنّ الآية عطف على الآية السابقة :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ . . . »
، والكاف اسميّة بمعنى المثل .
لم يذكر اللّه - سبحانه - هذا المارّ وهذه القرية وهذا الموت ؛ لأنّها خارجة عن الغرض المسوق له الكلام ، وعن موقع العبرة بالقصّة ، إلّا أنّ الآية صدرا وذيلا تشعر أنّ هذا المارّ كان صدّيقا أو نبيّا ذا كرامة عليه - تعالى - ومستظّلا في ظلّ ولاية اللّه سبحانه ، وقد أكرمه - سبحانه - بإراءته كيفيّة إحياء الموتى وإنشاز العظام ، وهذا من جملة ما سترة اللّه في الغيب المحجوب ، وما جرت سنّته أن يطلع أحدا عليه إلّا من ارتضاه من أصفيائه وأمنائه . وبعد ما تبيّن له وشاهد ما شاهد قال :
« أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
وصار الغيب له شهادة والخبر عيانا ، ولم يقل :
« عَلِمْتَ » *
لما في ذلك البيان من المسبوقيّة بالجهل والشكّ ما لا يخفى .
وقد أكرمه - تعالى - أيضا بالمخاطبة والمكالمة وقال :
« كَمْ لَبِثْتَ »
والظاهر أنّ القول قول وحي .
قول تعالى :
« وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها » .
قال في لسان العربا 14 / 245 : خوت الدار : تهدّمت وسقطت . . . وفي حديث سهل : فإذا هم بدار خاوية على عروشها ؛ خوى إذا سقط وخلا .
وعروشها سقوفها .
فالمعنى أنّ هذا الرجل مرّ على قرية وهي واقعة أو ساقطة على عروشها وسقوفها .
قوله تعالى :
« قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » .
أراد التبصّر والتثبّت والاستطلاع على السرّ المستسرّ تحت حجب الغيوب ، وأن يشاهد الإحياء بعد الموت برأي العين ، فإنّ الاستدلال وإقامة الحجّة والتعبّد بالوحي كلّها حقّ وصدق ، إلّا أنّ مقام الرؤية برأي العين فيما يمكن أن يكون مرئيّا ومحسوسا بالعين أعلى وأجلّ . ومنه يعلم أنّ هذه القصّة غير قصّة أصحاب الكهف . فإنّ قصّة أصحاب الكهف حجّة وآية للنّاس في أمر البعث ، كما أنّ هذه القصّة ورجوع هذا الشخص إلى الدّنيا بعد موته مائة عام حجّة وآية للنّاس ،