وغلط في الإحياء والإماتة بالقتل والإطلاق ، فإنّه ليس الموت قتلا ولا الإحياء إطلاقا ، فإنّما هو تشبّث ولجاج ؛ لأنّ إبراهيم عليه السلام استدلّ من حيث إنّ الإماتة والإحياء آيتان من آيات اللّه ، فلا يبطل هذا بما فعله من القتل والإطلاق .
وقد أدحض عليه السلام هذه المغلطة الّتي أبرزها بصورة الحجّة بعدم تخصيص الاستدلال بالآيات بمورد خاصّ وآية واحدة ، بل يجري في جميع الآيات ؛ ومن جملتها إتيان الشمس من المشرق .
قوله تعالى :
قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ » .
استدلال آخر بالآيات أيضا مع التعرّض لإبطال المغلطة وأنّ الشمس وما معها من النظام الوثيق لا يقدر الخصم على إبراز المغالطة فيها ، كما أبرزها في الإحياء والإماتة . وليس هذا انتقالا من حجّة إلى أخرى ، ورفع اليد عن الأولى والتشاغل بغيرها ، بل هي حجّة أخرى وجواب عن حجّة الخصم أيضا .
قوله تعالى :
« فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ » .
فإنّ الشمس وما معها من النظام الوثيق والصنع المتقن مقدّمة بالضرورة على الجبّار نمرود ، فيكون هذا البهت بهتا واقعيّا ضروريّا . فمن زعم أنّ له موقع للمغالطة بأن يقول : أنا آتي بالشمس من المشرق فليأت ربّك بها من المغرب ، فقد وهم ولم يدرك مفاد الحجّة ، وأنّ نمرود ما بقي له مجال بهذا القول .
قوله تعالى :
« وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » .
( 258 )
قال في الميزان 2 / 355 :
« وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »
ظاهر السياق أنّه تعليل لقوله :
« فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ »
فبهته هو عدم هداية اللّه - سبحانه - إيّاه لاكفره .
وبعبارة أخرى معناه أنّ اللّه لم يهده فبهت لذلك ، ولو هداه لغلب على إبراهيم في الحجّة .
أقول : ما معنى الهداية إلى المغالبة ؟ فإن أراد اللجاج والشيطنة والسفسطة والمغالطة فلا تكون مغالبة ، وإن أراد الغلبة بحسب الواقع فلا كلام في استحالته ؛ لأنّ الحقّ لا يغلب ، وهو عليه السلام على برهان من ربّه .