[ الشعراء ( 26 ) / 29 ]
و
« وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ » .
[ القصص ( 28 ) / 38 ]
إذا تقرّر ذلك فنقول : إنّ مورد الحجاج والخصام - كما هو صريح الآية - أنّ نمرود حاجّ إبراهيم عليه السلام في ربّه . والظاهر أنّه كان الحامل له على ذلك تعزّز السلطنة وعظمة الملك . ومن هنا يعلم أنّ موضوع المحاجّة ليس هو الملك كي يكون النفي والإثبات والنقض والإبرام في الملك ، فلا ينبغي الترديد في أنّ الّذي حاجّ إبراهيم عليه السلام هو نمرود الجبّار ، وهذه المحاجّة منه كفران لما أعطاه اللّه - تعالى - من البسط في المال والجاه .
وهذا قريب من قوله تعالى :
« أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ » .
[ الواقعة ( 56 ) / 81 و 82 ] ، فيكون الاستفهام في قوله :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ »
للإنكار والتوبيخ والتعجيب من رداءة فهمه وغباوته ، بأنّه كيف تجاوز عن حدّه ، ولم يعرف موقع نفسه ، وادّعى مع عجزه وذلّته المشهودة المعلومة له ما ليس له من المقام والكبرياء .
قوله تعالى :
« أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ » .
الضمير راجع إلى الموصول والمراد منه - كما ذكرنا - هو نمرود . ولا إطلاق لهذا الملك حتى يشمل الولاية الحقّة الّتي يملكها أولياؤه - تعالى - بتمليكه سبحانه .
ويكفي في دفع هذا الإطلاق صريح العقل بقبح إعطاء مقام الخلافة لأمثال هؤلاء الظالمين . والأدلّة الشرعيّة مؤيّدة لحكم العقل بأنّ عهد اللّه لا ينال الظالمين ، فمعنى إيتائه - تعالى - الملك لهؤلاء الظالمين المتصرّفين في أرض اللّه ومال اللّه ، المسلّطين على رقاب النّاس ، هو تخلية سبيلهم إلى حدّ معيّن مقدّر إملاء وسخطا واستدراجا ، لا أن يكون هذا الإيتاء على نحو الكرامة . قال تعالى :
« وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 178 ]