لكلّ واحد منهما حدّا محدودا ، وأمدا ممدودا ، يولج كلّ واحد منهما في صاحبه ، ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم به ، وينشئهم عليه .
قوله تعالى :
« وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ » .
قال في المنار 3 / 275 : وقد مثّل المفسّرون للحياة الحسيّة خروج النخلة من النواة والعكس ، وخروج الإنسان من النطفة ، والطائر ونحوه من البيضة وبالعكس .
والتمثيل صحيح .
أقول : هذا التمثيل في المقام لا ينطبق على الآية ، إذ ليس فيه خروج شيء عن شيء ، وخروج الحيّ من الميّت وبالعكس . فهذه الأمثلة إنّما تصلح لأن تكون أمثلة للتحوّل والتبدّل . فالنطفة الإنسانيّة من مقدّمات توليد الحيّ من الميّت ، وكذلك خروج النواة من النخلة من مقدمات توليد النخلة الأخرى ، وليس مثالا لانفصال الميّت من الحيّ . وخروج الإنسان من النطفة تبدّل وتحوّل .
قال في الميزان 3 / 144 : ويمكن أن يراد أعم من ذلك ومن خلق الأحياء كالنبات والحيوان من الأرض العديمة الشعور ، وإعادة الأحياء إلى الأرض بإماتتها . فإنّ كلامه تعالى كالصريح في أنّه يبدّل الميّت إلى الحيّ والحيّ إلى الميّت قال تعالى :
« ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ » .
[ المؤمنون ( 23 ) / 15 ] ، إلى غيرها من الآيات .
أقول : قد ذكرنا أنّ الآية الكريمة ليست في بيان تبديل الميّت حيّا والحيّ ميّتا ، بل الآية الكريمة في بيان انفصال الحيّ من الميّت وبالعكس . والّذي يهدينا إليه الكتاب والسنّة في معنى الموت والحياة في أمثال المقام ، هو الكفر والإيمان .
قال تعالى :
« أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها » .
[ الأنعام ( 6 ) / 122 ]
و
« لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ » .
[ يس ( 36 ) / 70 ] فالآية الكريمة نصّ في خروج الشيء عن الشيء لا تبديل شيء إلى شيء .