وحماة الدين ، فهم ملبّسون مقاصدهم الفاسدة على ضعفاء الناس والدارسين بعبارات معجبة مزيّنة ويعدّون أنفسهم من الراسخين في العلم والمعرفة ويحسبون أنّهم يحسنون فسوف يعلمون .
ومن الناس من اعتمد في نفسه على العلوم الطبيعيّة الواقعة على السطح المشهود بالتجرية والعيان وحصر العلم والمعرفة فيها ولم يدر أنّ الحكم بالحصر على الحس ليس محسوسا وأنّ الحسّ من جملة المدارك العلميّة وهو متّك ومعتمد أيضا في إدراكه على العلم ؛ فلولا الشعور الواقعي في وجود الإنسان كالغافل والنائم والسكران لما يدرك بحسّه شيئا ولما يقدر على تنظيم أداة المدارك الحسيّة ، ولم يتمكّن من الحكم الّذي هو بالعقل والإدراك فليس للجاهل على العالم حجّة فهؤلاء بين مفرط ومفرّط وباغ وعاد .
فالفريق الأولّ قد أفرطوا وبغوا وزعموا أنّ ما هو الحاصل لهم من طريق البرهان والرياضات هو عين الحقّ وقد اختلفوا في مسألة واحدة على أقوال يطعن بعضهم بعضا وعلومهم في معرض التحوّل قرنا بعد قرن والمنصفون من الكشفيين يقولون : إنّ المعارف الحاصلة بحسب الرياضات والشهود فلا بد من عرضها على على الكتاب والسنّة لأنّ المكاشفات إمّا شيطانيّة أو رحمانيّة .
قال المحقّق الإلهيّ القمشئي ( قده ) في تعليقته على تمهيد القواعد / 38 : طائفة من الصوفيّة قد ذهبت . . . ولعلّهم يسندون ذلك ( القول ) إلى مكاشفاتهم ويلزمهم نفي الشرائع والملل وإنزال الكتب وإرسال الرسل ويكذّبهم الحسّ والعقل كما عرفت ، وهذا إمّا من غلبة حكم الوحدة عليهم وإمّا من مداخلة الشيطان في مكاشفاتهم .
فعلى هذا فأيّ وجه وعذر لهم في تأويل صريح كلام الغير من عند أنفسهم .
مثلا أيّ دليل لهم على تأويل الملك بتجسّم خيال الرسول وأيّ معنى معقول لتأويل النار وعذابها والجنّة ونعيمها بالمثال المنفصل .
والفريق الثاني قد فرّطوا وعادوا بحصرهم العلم والمعرفة في الحسّ والتجربة فقط فلذا ترونهم يؤولون أكثر المعارف العالية الإلهيّة الحقّة الّتي ليس للحسّ والتجربة إليها سبيل من عند أنفسهم بما لا يرضى به من له أدنى إيمان بالشرائع الإلهيّة .
قوله تعالى :
« ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً . . . »