قال في لسان العرب 15 / 180 : القسوة : الصلابة في كلّ شيء و . . . وقال أبو إسحق في قوله تعالى :
« ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ »
فتأويل قست في اللّغة غلظت ويبست وعست .
أقول : الخطاب لبني إسرائيل الّذين رأوا الآيات وشاهدوا المعجزات أو الّذين في عصر النزول . والظاهر هو الأوّل . ويدخل فيهم من تبعهم ومن يجري مجراهم فبالمآل يكون الخطاب عامّا لأوائلهم وأواخرهم . وفي التعبير بثمّ دلالة على عروض القسوة بعد شهود الآيات وتكميل الحجج وانقطاع الأعذار فهي على حدّ قوله تعالى :
« فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً » .
[ المائدة ( 5 ) / 13 ]
و
« فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » .
[ الزمر ( 39 ) / 22 ]
فالمراد من القسوة في الآيات الكريمة هو سلب أنوار الهداية والمعارف والتوحيد وسائر الكمالات ، وبعدما تبيّنت الهدايات وقامت الحجج والبيّنات عندهم استخفّوا وظلموا بها ولما قاموا بوظيفة العلم والمعرفة من الوجوب الضروريّ الأكيد بالامتثال والانقياد والخضوع والاستكانة بساحته تعالى وحسن الاستماع لأولياء اللّه تعالى من المصطفين والمقرّبين ، فبناء على ما ذكرنا فقد استعمل القسوة في الآيات الكريمة في معناها اللّغوي .
فخلاصة القول : إنّ أدنى مراتب القسوة هو فقدان الإنسان روح العاطفة والوداد والترحّم على الضعفاء وغيرها يرجع عند التحليل إلى فقدان إدراك تلك الفضائل أو نقص في إدراكها أو فقدان إدراك العمل بتلك الفضائل والقيام والاتّصاف به .
فتحصّل أنّ القساوة هي سلب الكمالات والهداية من قلب العبد بسوء فعله وجزاء لمعصيته وعقوبة على كفره وكذلك يجعل اللّه الرجس على الّذين لا يعقلون .
إن قلت : إنّ وجه الشبه بين صلابة القلوب والأحجار هو عدم تأثر الأحجار مما يرد عليها وعدم تأثّر القلوب ممّا يساق إليها من المواعظ والحكم والنذر .
قلت : عدم تأثّر القلوب القاسية من الحكم والنذر حقّ لا ريب فيه وهو من أوضح مصاديق القساوة إلّا أنّ الظاهر من الآية تشبيه القلوب بالأحجار من حيث