الصدور والفيض وهو الأنسب بالمقام ، فإنّ اليهود هم المتظاهرون بالديانة وبعض منهم منتحلون لمقام الولاية والقداسة فلو كان الأمر كما ادّعوا وانتحلوا فأين أنوارهم ، إن هم إلّا كمثل الحمار يحمل أسفارا . فبالحقيقة عدم صدور الخيرات من قلوبهم دليل قطعي على عدم ورود الحكم والمواعظ والحقائق على قلوبهم فلا تكون مصدرا للحقّ ولا منبعا للفيض ولا موردا لها أيضا فإنّ لكلّ دعوى بيّنة وبيّنة دعوى الإيمان هو العمل الصالح .
ووجه مزيّة الأحجار على القلوب القاسية أنّ من الحجارة ما يكون مجاري الخيرات الكثيرة بحيث ينفجر منها الأنهار والعيون الكبار بدفع وشدّة ، ومنها تترشّح المياه بعد انشقاقها ، ومنها ما يهبط من خشية اللّه تواضعا لسلطانه وخضوعا لجلاله وكبريائه ؛ فما المناسبة بين هذه الأحجار والقلوب القاسية . والشاهد على ذلك أنّ الكلام متوجّه على الّذين يدّعون مقام القداسة ولا يقبلون سيّد رسل اللّه تعالى وأكبر سفرائه صلّى اللّه عليه وآله ولا يأذنون له بالدخول في حريم التوحيد .
فيظهر ممّا ذكرنا أنّ وجه الشبه هو حيث صدور الخيرات والبركات لا صلابة الأحجار ولينة الماء .
قوله تعالى :
« وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » .
( 74 )
الخشية هو الخوف والظاهر أنّ الخوف أعم منها فإنّ الخشية لا تتحقق إلّا بالعلم والشعور والتوجّه الأكيد والخوف يتحقق من الحيوانات أيضا .
إن قلت : فأيّ مانع أن يقال : إنّ سقوط الأحجار مستند إلى العلل الطبيعيّة مثل الزلازل والصواعق وأنّ هبوط الحجارة وتأثّرها وانفعالها من أسبابها الخاصّة المنتهية إلى اللّه تعالى انفعال من أمره تعالى وهي شاعرة شعورا تكوينيّا لأمر ربّها .
قلت : فيه أوّلا ، إنّ إثبات الشيء لا ينافي ثبوت ما عداه . وثانيا ، الظاهر أنّ الخشية هو العلم المقرون بالخشوع . وثالثا ، كون النظام الجاري في العالم مستندا إلى نظام العلّيّة والمعلوليّة على سبيل الإيجاب ينافي البراهين الإلهيّة القائمة على توحّده تعالى بالخالقيّة بالقدرة والإرادة والاختيار . والآيات الكريمة ناظرة إلى ذلك لا إلى نظام العلّيّة والمعلوليّة ، قال تعالى :