تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
أقول : كأنّ السائل مع ما فيه من الإصرار والإلحاح طبعا وتكوينا أو عملا لإنجاح مقاصده من الغير يضمّ إلى نفسه من يعاضده ويعينه في السؤال والالتجاء إلى الغير ، من كان أوجه منه عند المشفّع وأكرم وأقرب منزلة ومقاما ؛ وهذا المعنى أمر دائر بين عقلاء الأمم والملل إذا كان مورد الشفاعة ممّا يملكه المشفّع على الإطلاق ولو بتمليكه تعالى ، وأمّا المتصدّون لإجراء القوانين الشرعيّة فليس لهم هذه السلطة . وكيف كان فلا إشكال في إمكانها بالنسبة إليه تعالى فإنّه جلّ ثناؤه حيث يملك الأمر بكلا طرفيه قبل شفاعة الشافعين وبعدها ، وبيده العفو والأخذ وهو المالك لهما بالحقيقة فيعفو عن المجرم العاصي بفضله فيحمد ويشكر ، ويأخذ بعدله فيمجّد ويقدّس ؛ فالمرجّح بصدور الفعل وصدور أحد المتساويين بالنسبة إليه تعالى موجود قبل الشفاعة وليست الشفاعة في موردها علّة منحصرة لفضله بل العفو قبلها ومعها وبواسطة المرجّحات الأخر من توبته وإيمانه ودعائه وصدقاته وصلته إلى جيرانه وأرحامه وأهل دينه ممّا يوجب رضى ربّه وفضل سيّده ، ومعها جميعها يدور الأمر بين العدل والفضل فيتفضّل بقبولها ويعفو عليه ويزيد ويأخذه بعدله لاستحقاقه الأخذ بمعاصيه أخذ عزيز مقتدر فبأيّهما فعل كان عن اختياره بعد تلك المرجحات فالعفو عن المجرم العاصي باختياره ورأيه في مورد الشفاعة عن ذاك المرجّح لا به وكذلك الأخذ والعدل أيضا باختياره عن ذاك المرجّح لا به فلا إيجاب عليه بالنسبة إلى اختيار أحد الطرفين أزلا وأبدا بالحقيقة . وبعبارة أخرى أنّ الّذي لا ريب فيه أنّه سبحانه مالك للعفو والأخذ من دون إيجاب أحدهما عليه تعالى فإذا قام الشفعاء فشفعوا للمذنبين فالشفاعة الّتي هي مرجّحة لطرف العفو لا توجب تحديد مالكيته وقدرته تعالى فهو سبحانه مالك للعفو والعقاب في مرتبة الشفاعة أيضا وقد كان مالكا للعفو من غير شفاعة أيضا ولكن لمّا كانت الشفاعة مرجّحة في طول المالكيّة لا في عرضها فالمالكيّة حاكمة على الشفاعة دون العكس فلو عفا سبحانه عند الشفاعة فالعفو للمالكيّة والقدرة وليس معلولا للشفاعة ويستحيل صدور العفو عن الشفاعة وبالشفاعة مع فرض المالكيّة للعفو والأخذ . وواضح عند أولي الألباب أنّ تفرّده وتوحّده سبحانه في جميع شؤون ألوهيّته وربوبيّته يقضي ويحكم أنّ أمر الخلق وجميع ما يرجع إليه من شؤون التكوين
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 226 | محمد باقر الملكي الميانجي