والتشريع ملك مطلق له تبارك وتعالى أزلا وأبدا في الدنيا والآخرة ويكون ظهور تلك المالكيّة في الآخرة أظهر وأجلى لإبطال الاختيارات ورجوع الأمانات من القدرة والثروة والسلطة والنعمة إلى مالكها وواهبها الملك الحقّ القيّوم فعنت له الوجوه وخشعت له الأصوات مطيعين مقنعي رؤوسهم لا يرتدّ إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ، قال تعالى :
« وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ . مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ » .
[ إبراهيم ( 14 ) / 42 - 43 ]
و
« يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » .
[ المؤمن ( 40 ) / 16 ]
وممّا ذكرنا يعلم ضعف ما جاء في المنار 1 / 307 ، في الشفاعة حيث قال : في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقا كقوله تعالى في وصف يوم القيامة :
« لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ »
[ البقرة ( 2 ) / 154 ] وأخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة كقوله عزّ وجلّ 74 : 48 :
« فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ »
وآيات تفيد النفي بمثل قوله 2 : 255 :
« إِلَّا بِإِذْنِهِ »
وقوله 21 : 28 :
« إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى » . . .
قال شيخنا : فما ورد في إثبات الشفاعة على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم وأنّها مزيّة يختصّ اللّه بها من يشاء يوم القيامة عبّر عنها بهذه العبارات « الشفاعة » ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه اللّه جلّ جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي . وأمّا مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنّها دعاء يستجيبه اللّه تعالى .
والحقّ أنّ الشفاعة والتصرّف في العفو والأخذ في عباده بالعدل والفضل حقّ مطلق له تبارك وتعالى . والآيات الواردة في التذكير بهذا المعنى وإثبات التوحيد وتخصيص المالكيّة المطلقة له تعالى خارجة عن حريم البحث ، قال تعالى :
« قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » .
[ الزمر ( 39 ) / 44 ]
و
« مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ » .
[ البقرة ( 2 ) / 255 ]