التمسّك بحكم العقل بقبح إعانة الغير على المعصية
أحدها : حكم العقل بقبح إعانة الغير على معصية المولى وإتيان مبغوضه ، فكما أنّ إتيان المنكر قبيح عقلا ، وكذا الأمر به والإغراء نحوه قبيح ، كذلك تهيئة أسبابه والإعانة على فاعله قبيح عقلا موجب لاستحقاق العقوبة .
ولهذا كانت القوانين العرفيّة متكفّلة لجعل الجزاء على معين الجرم وإن لم يكن شريكا في أصله . فلو أعان أحد السارق على سرقته وهيّأ أسبابه وساعده في مقدّماته ، يكون مجرما في نظر العقل والعقلاء وفي القوانين الجزائيّة .
وقد ورد نظيره في الشرع فيما لو أمسك أحد شخصا وقتله الآخر وكان ثالث نظر لهما ، أنّ على القاتل القود ، وعلى الممسك الحبس حتى يموت ، وعلى الناظر أو الربيئة تسميل عينيه .
ولا منافاة بين ذلك وبين ما حرّرناه في الأصول من عدم حرمة مقدّمات الحرام مطلقا ، لانّ ما ذكرناه في ذلك المقام هو إنكار الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة مقدّماته ، وما أثبتناه هاهنا إدراك العقل قبح العون على المعصية والإثم لا لحرمة المقدّمة ، بل لاستقلال العقل على قبح الإعانة على ذي المقدّمة الحرام وإن لم تكن مقدّماته حراما .
وهذا عنوان لا يصدق على إتيان الفاعل المقدّمات ، ولهذا لا يكون المجرم في إتيان مقدّماته مجرما بل يكون مجرما في إتيان نفس الجرم . نعم لو أتى بالمقدّمات ولم يوفّق بإتيان الحرام كان متجرّيا .
وبالجملة يرى العقل فرقا بين الآتي بالجرم بمقدّماته وبين المساعد له في الجرم ولو بتهيئة أسبابه ومقدّماته ، فلا يكون الاوّل مجرما في إتيان المقدّمات زائدا عن إتيان الجرم ، وأمّا الثّانى فيكون مجرما في تهيئة المقدّمات ، فيكون في نظر العقل المساعد له