يكون جعلها ورفعها بمناشئ انتزاعها ، فلا يمكن جعل الفوقيّة والتحتيّة للجسمين إلّا بجعلهما بوضع خاصّ ، يكون أحدهما أقرب إلى المركز والآخر إلى المحيط ، فبعد ذلك تنتزع الفوقيّة والتحتيّة منهما قهرا ، ولا يمكن جعلهما ورفعهما استقلالا ، فجعل هذا الحكم التكوينىّ مقياسا للأمور التشريعيّة ، فقايس الأمور التشريعيّة بالأمور التكوينيّة ، فذهب إلى امتناع جعل الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة للمأمور به ورفعها عنه استقلالا ، وزعم أنّ جعلها بجعل منشأ انتزاعها كالأمور التكوينيّة ، « 1 » مع أنّ القياس مع الفارق .
وتوضيح ذلك : أنّ الأمور الاعتباريّة تابعة لكيفيّة اعتبارها وجعلها ، فقد يتعلّق الأمر القانونىّ بطبيعة أوّلا على نحو الإطلاق لاقتضاء في ذلك ، ثمّ تحدث مصلحة في أن يجعل لها شرط ، أو يجعل لها قاطع ومانع بلا رفع الأمر القانونىّ الاوّل ، فلو قال المولى :
أَقِيمُوا الصَّلاةَ *
ثمّ قال :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
« 2 » أو قال : « يشترط في الصلاة الوضوء أو القبلة » أو قال : « لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه » أو « لا تصلّ في الثوب النجس » ينتزع منها الشرطيّة والمانعيّة ، فهل ترى أنّه يلزم أن يرفع الأمر الاوّل وينسخه ، ثمّ يأمر بالصلاة مع التقيّد بالشرط أو عدم المانع ؟ ! وأىّ مانع من جعل الوجوب للطبيعة المطلقة بحسب الجعل الأوّلى ، ثمّ يجعلها مشروطة بشيء بجعل مستقلّ ، أو يجعل شيئا مانعا لها بنحو الاستقلال لاقتضاء حادث ، كما غيّر اللّه قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام ؟ ! فهل كان قوله : قد نرى تقلّب وجهك في السماء إلى قوله :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
« 3 » من قبيل نسخ حكم الصلاة
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول : 456 - 457 .
( 2 ) . المائدة / 6 .
( 3 ) . البقرة / 144 .