نعم ، لا يبعد أن يكون ذلك الارتكاز العقلائي موجبا لترجيح الاحتمال الثاني من الاحتمالات المتقدّمة ، كما أشرنا إليه ، واختصاص المؤمن والمسلم بالذكر ، لا يدلّ على الترجيح الاستحبابي لو لم يكن مشعرا بالوجوب .
تقرير اللزوم بناء على كون مقتضى الوفاء بالعقود إبقاؤها
هذا كلّه بناء على ما هو التحقيق ؛ من أنّ مقتضى العقود العمل بها أخذا ، وإعطاء ، وتسليما .
وأمّا لو قلنا بأنّ مقتضاها هو إبقاؤها وعدم فسخها ، فيمكن أن يقرّر اللزوم بأن يقال : إنّ عقد المعاطاة مثلا لو كان جائزا بحسب بناء العقلاء ، لم يكن مانع من إلزام الوفاء به وإيجابه ، وكان إيجاب الوفاء وتحريم الهدم دالّين على بقائه على جوازه شرعا ؛ للزوم كون متعلّق التكليف مقدورا للمكلّف ، ولا منافاة بين الحكم الوضعي - أي نفوذ الفسخ - وحرمته .
وأمّا لو كان لازما لديهم ، فلا بدّ من جعله جائزا شرعا حتّى يصحّ التكليف به ؛ فيرجع الأمر إلى أنّ الشارع جعل المعاطاة اللازمة جائزة ، ثمّ جعل فسخها محرّما ، فأقدر المكلّف على التخلّف ، ثمّ أوجب الوفاء ، وهو ممّا لا تقبله الأذهان المستقيمة ، ويردّه العقلاء .
فإذا دار الأمر بينه وبين حمل الأمر بالوفاء على الإرشاد إلى اللزوم - بأن يقال :
كأنّه قال : « أوف بالعقد ؛ لأنّه لا ينهدم بالفسخ ، والتخلّف غير ممكن عندي » نحو قوله : « لا تصلّ في وبر غير المأكول » أو « في الدار المغصوبة » ، إرشادا إلى عدم صحّتها ، وعدم إمكان إيجادها - فالترجيح للثاني .
إن قلت : يمكن أن يجعل الأمر بالوفاء إرشادا إلى الجواز ؛ فإنّ وجوب الوفاء وحرمة نقض العقد لا تعقل إلّا بأن يكون العقد جائزا .