وهذه الحركة نفسها إذا شاهدها الناظر ، وهو مرتفع في الطائرة وينظر من الجوّ ، عند تتابع الغروب على مسافة فمسافة من الأرض ، فإنّه يرى اختفاء النهار شيئا فشيئا ، كما يختفي من الوالج بمقدار ما يدخل منه في المولوج فيه ، فكأنّ النّهار مع تتابع الغروب يلج في اللّيل الّذي يخفيه .
فجاء في النصّ تشبيه تتابع ذهاب اللّيل ، عند تتابع حالات الشروق ، وتشبيه ذهاب النهار عند تتابع حالات الغروب ، بولوج شيء في شيء آخر .
ولكن طوي التّشبيه ، واستعير منه لفظ « يولج » للدّلالة عليه ، ففي العبارة استعارة .
إنّ هذا التشبيه مع ما فيه من إبداع رائع في عرض الصّورة ، ومع ما فيه من دقّة بالغة الغاية في توصيل المعنى المراد ، يدلّ بأوجز عبارة على حركة شيئين متلاصقين ، أحدهما يختفي والآخر يظهر ، واختفاء اللّيل عند الشروق من جهة مطلع الشمس ، واختفاء النهار عند الغروب من جهة مغرب الشّمس ، يدلّ على أنّ الحركة حركة دائريّة ، إذ يدخل كلّ طرف من طرفي أحدهما في الطّرف الآخر من الآخر منهما ، وهكذا دواليك مع تتابع الأيّام .
وعرض هذه الآية من آيات اللّه في كونه ، يدفع المشتغلين بالبحث العلميّ في الكونيّات ، للبحث الجادّ عن سببها التكوينيّ ، وحين يتوصّلون إلى معرفة السّبب ، وأنّه يرجع إلى التّنظيم البديع ، والاتقان الرائع العجيب ، في وضع كلّ من الشّمس والأرض في مجموعة نجوم مجرّتنا وكواكبها ، وفي حركة دوران الأرض حول نفسها في اتجاه الشمس ، مع المحافظة على المسافة ومقدار الحركة ، طوال مئات الملايين من القرون ، فإنّ ذوي الألباب المنصفين منهم ، لا بدّ أن يؤمنوا بالخالق الرّب جلّ
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 97
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٩٧