إذن : وجب أن تكون له وحده الإلهيّة ، فلا يصحّ أن توجّه عبادة عابد إلّا له ، إذ عبادة غيره ظلم عظيم لحقّ ربّه عليه ، وهو من الكفر به ، ولا يغفره اللّه ، لأنّه لا يغفر أن يشرك به .
ويظهر أنّ المراد بالبحرين في هذا النّصّ البحران المذكوران في نصّ سورة ( الفرقان ) وهما : العذب الفرات ، والملح الأجاج ، وقد جاء الحديث عنهما في نصّ سورة ( النمل ) على طريقة سؤال المشركين عمّن جعل بين هذين البحرين هذا البرزخ ، لانتزاع الإقرار منهم بأنّه هو الرّبّ الخالق ، وسيلة لإلزامهم بوجوب أن يتركوا شركهم ، ويعبدوا اللّه وحده لا شريك له .
( 4 ) وما جاء في سورة ( الرّحمن / 55 مصحف / 97 نزول ) وهي من أواسط التنزيل المدني ، فقد جاء الحديث فيه عن البحرين اللّذين يلتقيان ، ومع التقائهما يوجد بينهما برزخ فاصل ، فهو مانع لهما من التمازج ، لكنّه لم يوصف بأنّه محجور ، أي : ممنوع من أن يختلط هو بهما ، إذ ليس هو ممّا يظنّ فيه قابليّة الانحلال والاختلاط - وهذان البحران مع التقائهما يستمرّ كلّ واحد منهما عند حدّه ، فلا يبغي أحدهما على الآخر ، فيغيّر من خصائصه ، ومن نسبة العناصر المختلطة فيه .
وقد وصف هذان البحران بأنهما يخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان ، إشارة إلى أنّ كلّا منهما ملح أجاج ، إذ من المعروف أنّ اللّؤلؤ والمرجان يستخرجان عادة من البحر الملح الأجاج .
وتحيّر المفسّرون في فهم المراد بهذا النصّ :
* هل المراد بالبحرين في هذا النصّ بحر الماء العذب الفرات والملح الأجاج ، وذلك في ظاهرة دخول مياه الأنهر في مياه البحار ، إذ يستمرّ الماء العذب الفرات على صفاته مسافة طويلة قبل أن يمتزج بماء البحر .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 94
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٩٤