الحاجز محجور عن أن ينحلّ بأيّ واحد منهما ، إذ هو من عناصر الأرض صخورها ورمالها وأتربتها .
إنّهما في الأرض بحران عظيمان ، خلقهما اللّه عزّ وجلّ لمنافع الحياة والناس ، وكلّ منهما يقتضي لتحقيق المنفعة به أن يستمرّ على وصفه في النّسبة المزيجيّة الّتي جعله اللّه عليها .
ومعلوم أنّ الماء الحلو فيه عناصر مخلوطة ممزوجة ، قد مرجها اللّه - جلّت حكمته - أي : خلطها بنسب صالحة لحياة الناس والنّبات ، وأرسلها في الأرض ، فاندفعت تؤدّي وظائفها .
ومعلوم أنّ الماء الملح الأجاج فيه عناصر إضافيّة مخلوطة فيه ممزوجة ، قد مرجها اللّه بحكمته ، أي : خلطها وأرسلها في الأرض ، فاندفعت تؤدّي وظائفها .
وإيجازا في التعبير جاء في القرآن استخدام كلمة « مرج » للدّلالة على معنى : « خلط » العناصر ، حتّى تكوّنت ماء حلوا ، أو ماء ملحا أجاجا .
وعلى معنى « أرسل » كلّا من الماءين : العذب الفرات والملح الأجاج ، لما في الماء من سيولة قابلة للتّدافع المتلاحق ، كأنّ مرسلا أرسله ليؤدّي وظائفة الّتي أرسل من أجلها .
ودلّ هذا النّص على العناية الرّبّانيّة الّتي حفّت هذين البحرين حتّى لا يمتزجا ويختلطا ، فتذهب خصائص الماء العذب الفرات ، الّتي بها حياة الحيوان والنبات ، ومصالح أخرى كثيرة للناس والحياة ، وذلك بأن جعل اللّه بين البحرين حاجزا ، إذ جعل تكوين الأرض في أوضاعها صالحة لاحتواء الماء العذب في تجاويفها ومساربها ، ولإجرائه في السّهول والوديان ، وأخراجه من العيون ، فأقام جلّ جلاله بحكمته الحواجز والفواصل الّتي تفصل بين البحرين ، حتّى لا ينتهي أمرهما إلى الامتزاج
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 91
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٩١