التدبّر :
قول اللّه عزّ وجلّ :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
( 88 ) :
أصحاب هذا القول هم النصارى الّذين قالوا :
« الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
] .
وبعض اليهود الّذين قالوا : « العزير ابن اللّه » وبعض العرب في الجاهليّة الّذين قالوا : « الملائكة بنات اللّه » لأنّ الإناث يدخلن في عموم لفظ الولد ، كما سبق بيانه .
وقد كان في مكّة في المرحلة المكيّة من دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعض النصارى ، وكان يأتي إليها بعض يهود المدينة ، ومعلوم أنّ الدّعوة الشّاملة للنّاس جميعا ، تقتضي مراعاة ومعالجة جميع أحوال المخالفين لها ، وتوجيه وسائل وأدلّة الإقناع الفكريّ لهم ، وتوجيه الموعظة الحسنة بالتّرغيب التّرهيب ، رغبة في إنقاذهم ممّا هم فيه من كفر .
ومعنى :
اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً :
جعل لنفسه ولدا مشتقّا من ذاته ، إذ هو في أوّل نشأته جزء منه . أو جعله لنفسه ولدا بالتّبنّي ، وهو خلق من خلقه .
قول اللّه عزّ وجل :
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
( 90 ) .
بعد أن تحدّث اللّه عزّ وجلّ عنهم بأسلوب الحديث عن الغائبين في الآية ( 88 ) واجههم بالخطاب في هاتين الآيتين ( 89 و 90 ) .
إنّ هذا التحّول من الغيبة إلى المواجهة بالخطاب يدخل فيما يسمّى عند البلاغيّين « الالتفات » وهو أحد فنون الحركة البديعة في أساليب البيان