*
وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ :
أي : واشهد بأنّا قائمون بالأعمال الّتي تجب علينا في الإسلام ، إذ يدفعنا إلى ذلك صدق الإيمان .
ويظهر من قولهم هذا أنّهم كانوا يدركون الفرق بين الإيمان والإسلام ، وأنّ الإيمان عقيدة راسخة في القلب ، وأنّ الإسلام آثاره في السّلوك ، ومن آثاره في السّلوك ما يمكن أن يشهد بالحواسّ الظّاهرة ، فتصحّ الشهادة به ، ولهذا طالبوا عيسى عليه السّلام بأن يشهد لهم عند ربّهم أنّهم مسلمون ، ولم يطالبوه بأن يشهد لهم بأنّهم مؤمنون ، إذ الإيمان من أعمال القلوب ، واللّه وملائكته المكلّفون أن يراقبوا أعمال العباد الظاهرة والباطنة يعلمون ما تكنّه القلوب ، والناس مع الناس إنّما يعلمون الظواهر ويشهدون بها .
وتوجّه الحواريّون لربّهم قائلين :
*
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
( 53 ) .
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ :
أي : آمنّا بكلّ الّذي بلّغنا إيّاه رسولك عيسى عليه السّلام .
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ :
أي : واتّبعناه مطيعين له ، ومسلمين كلّ شؤوننا لأوامره ونواهيه وتوجيهاته . ومن طاعتنا له ، وقيامنا بما يكلّفنا إيّاه ، سعينا في نشر الدّين الّذي جاءنا به ، وتبليغ تعليماته ، تعهّدنا به ، إذ قلنا له :
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ
أي : القائمون بالدّعوة إلى دين اللّه وصراطه المستقيم .
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ :
أي : فأمدّنا بالعون والتوفيق للقيام بهذه الوظيفة التبليغيّة ، وأمدّنا بالسّداد في مسيرتنا الدعوية ، حتّى تكتبنا في ديوان مبلّغي دينك مع الشّاهدين ، الّذين يشهدون على الناس يوم الدين ، بأنّهم بلّغوهم دينك ، والتّعليمات الّتي جاء بها رسولك .
*
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
( 54 ) .