وقد أضاف هذا النصّ من سورة ( الأنبياء ) أربع قضايا :
القضية الأولى : أنّ زكريّا عليه السّلام قال في دعائه لربّه :
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ .
أي : ربّ لا تتركني فردا مقطوعا من الذّرّيّة الوارثة لي ، الّتي ترث النّبوّة والعلم الدّينيّ ، ومركز الرّبّانيّة الّذي جعلته لي في خدمة الهيكل .
وليدلّ على أنّ رغبته هذه لا تحمل معنى الاستدراك على حكمة اللّه ، فيما لو شاء اللّه أن يحرمه من الذّرّيّة ، أثنى على ربّه بقوله في دعائه له :
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ :
أي : وأنت خير باق بعد كلّ من يموت ، فإنّي لا أستدرك على حكمتك ، ليقيني بأنّ حكمتك أجلّ وأعظم ، فإذا شئت اخترت من عبادك من يقوم بأمر الدّين من بعدي ، ولا يتوقّف الأمر على أن تهبني من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ، ويكون بقضائك وقدرك وتوفيقك رضيّا .
القضيّة الثانية : وأضاف هذا النصّ أيضا التّصريح بأنّ اللّه عزّ وجلّ استجاب دعاء زكريا فوهب له يحيى ولدا ذكرا ، فقال تعالى فيه :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى :
وجاء التعبير هما مستعملا فيه ضمير المتكلّم العظيم ، للدّلالة على عظمة الرّبوبيّة .
وهذا الذي جاء مصرّحا به في هذا النصّ ، قد فهم باللّزوم العقليّ من النصّ الذي جاء في سورة ( مريم ) .
إنّ فنّيّة الأداء البيانيّ البديع اقتضت في سورة ( مريم ) طيّ فكرة استجابة دعائه ، والاكتفاء في النصّ باقتطاع عبارة بشارته من الحدث الماضي ، وتقديمها كأنّ مشهد القصّة واقع الآن ، فقال تعالى فيها :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
( 7 ) .