ثانيا : ما جاء في سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) بشأن زكريّا وولده يحيى عليهما السّلام ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ فيها ، عطفا على ذكر طائفة من المرسلين :
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
( 90 ) .
*
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ :
سبق في تدبّر نصّ سورة ( مريم ) بيان المراد بالنداء ، وأنّه عبارة عن شدّة التوجّه القلبيّ إلى اللّه في الدّعاء ، وليس المراد به رفع الصّوت به على خلاف أدب الدّعاء .
وجاء في هذا النّصّ عطف
وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى
على :
وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ
وقد كان المتبادر أن تكون العبارة : وأصلحنا له زوجه ووهبنا له يحيى ، ويجيب النحاة على هذا بأنّ الواو العاطفة لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا ، بل هي لمطلق الجمع .
أقول : هذا بيان لجواز عطف المتقدّم على المتأخّر بالواو بحسب قواعد اللّسان العربي .
لكنّ الداعي البلاغيّ هنا في هذا الإجراء هو أنّ هبة الولد هي المقصود بالدّعاء ، وإصلاح زوجة زكريّا إحدى وسائل تحقيق المطلوب ، فكان ذكر هبة يحيى له أولى بالتقديم في الذكر ، من بيان إصلاح الزّوجة .
يضاف إلى هذا أنّ القضاء بهبة الولد يحيى له ، قد تمّ بعد استجابة الدّعاء ، وبعدهما جاء إصلاح زوجته ، وسيلة من وسائل تحقيق القضاء .
وجاء عبارة :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
دالّة على أنّ الاستجابة جاءت عقب الدّعاء ، بدليل حرف العطف « الفاء » وهذه الاستجابة تتعلّق بهبته يحيى ، لا بإصلاح زوجه ، فالتعبير القرآني منسجم مع الترتيب الواقعيّ ، ثم جاء التنفيذ بإصلاح الزّوجة وعلوق الجنين الّذي كان قد تمّ القضاء به .