فهمه ، وتدبّره ، وحسن العمل بشرائعه وأحكامه ، وحسن تعليمه ونشره ، ويتضمّن الجهاد في توجيه الأمر الحكيم بالعمل بما جاء فيه من أوامر ، وفي توجيه النهي الحكيم عن معصية ما جاء فيه من نواهي . ويتضمّن الجهاد في تبليغ ما جاء فيه من وصايا وإرشادات وبيانات بحسب وظائف الأنبياء والمرسلين في أقوامهم .
وقد أعان اللّه عزّ وجلّ « يحيى » عليه السّلام ، فأخذ الكتاب بقوّة حقا ، فكان يقول الحقّ ولا يخشى لومة لائم ، ولا سطوات الجبابرة من ذوي الحكم والسّلطان ، وانتهى أخذه الكتاب بقوّة إلى قتله ، عليه السّلام .
القضيّة الثانية : جاءت في
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا :
يتحدّث ربّنا هنا بضمير المتكلّم العظيم ، للإشعار بعظمة ربوبيّته القادرة على أن تجعل الصّبيّ الّذي ما زال أمثاله دون التمييز حكيما راشدا .
والمراد بالحكم سداد الرأي ، وحسن فهم النّصوص الرّبّانيّة ، والبصيرة في الأمور على اختلافها وكثرة المشتبهات فيها ، وحسن العمل الحكيم في الدّعوة إلى دين اللّه الحقّ ، والنّصح والإرشاد ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وحسن الفصل بين الأقضية والخصومات ، وحسن تصريف الأمور بوضع الأشياء في مواضعها الملائمة لها ، وحسن الإدارة بعقل ورشد . أفادت كلّ هذه المعاني ( ال ) الاستغراقية في لفظ ( الحكم ) .
القضيّة الثالثة : جاءت في
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا ؛
يتحدّث الرّبّ بضمير المتكلّم العظيم أيضا فيبيّن أنه آتى « يحيى » عليه السّلام خلق الرّحمة والشفقة ورقّة القلب ، وأنّه أفاض بها عليه من لدنه ، أي : من أقرب القرب إليه جلّ جلاله ، الموصول برحمته .
وفي هذا دلالة على تخصيصه بعناية خاصّة في هذه العطيّة العظيمة الجليلة .