( 2 ) موضوع سورة مريم
يدرك المتدبّر بأناة وتعمّق فكري ، أنّ الموضوع الأساس لسورة ( مريم ) متابعة معالجة كفّار مكّة ومن حولهم من المشركين في قضايا فكريّة اعتقاديّة ، لتصحيح اعتقاداتم بشأنها ، أو إقامة الحجّة عليهم ، وقطع أعذارهم ، إذا أصرّوا على كفرهم معاندين ، ولتردّ على طائفة من مقولاتهم ، الّتي يتّخذونها ذرائع لتحسين موقعهم المعاند للحقّ .
والموضوع الذي تدور في فلكه هذه القضايا الفكريّة الاعتقاديّة ، يتعلّق بمتابعة معالجة منكري البعث ليوم الدين ، ويتضمّن الرّدّ على بعض أقوالهم الّتي قالوها ، متذرّعين بها لتحسين إصرارهم على مواقفهم العنادية ، وبيان الدافع الّذي يدفع المشركين لاتّخاذ آلهة من دون اللّه عزّ وجلّ ، وهو اعتقادهم أنّ آلهتهم تكون لهم عزّا ، وبيان أنّ الكافرين تؤزّهم شياطينهم أزّا ، أي تغريهم وتهيّجهم وتهزّهم وتحرّكهم تحريكا شديدا ، من مغامز شهواتهم ومصالحهم ، ومثيرات غضبهم .
ولكن اقتضى الإبداع التربويّ الحكيم ، أن يبدأ اللّه عزّ وجلّ السورة بالتّمهيد لهذه المعالجة الممثّلة لموضوعها ، والذي هو الموضوع الأساس فيها ، بعرض لقطات من قصص الأنبياء السّابقين ، الذين جاهدوا في سبيل اللّه مجاهدات دعويّة مضنية ، وقد كان لمجاهداتهم آثار نافعة في الأمم السالفة ، إذ كان لهم أتباع مؤمنون متّقون على اختلاف درجاتهم في التقوى والعمل الصالح ، ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ، واتّبعوا الشهوات ، ولم يصونوا نصوص الكتاب الرّبّانيّة المنزلة على رسلهم ، فجاءت الدّعوة الإسلاميّة المحمّديّة الخاتمة ، حاملة رسالة اللّه للناس أجمعين ، انطلاقا من بيئة العرب الوثنيّين ، ومن كان يساكنهم في أرضهم من اليهود والنصارى ، ومن كان قد تنصّر أو تهوّد من العرب .