ولا يخفى علينا أنّ من أراد أن يتحدّث حول موضوع توجيهيّ ، أو جدلي ، أو ترغيبيّ ، أو ترهيبيّ ، أو تعليميّ ، فقد يرى أنّ من الحكمة ومن البلاغة في الموقف الذي يريد معالجة المخاطبين فيه ، حول الموضوع الذي يريد معالجتهم بشأنه ، أن لا يبدأهم بعناصر موضوعه الأساس ، ولكن قد يبدأ بعرض حكايات وقصص تاريخيّة ، تتضمّن بعض ما يريد معالجته مع المقصودين بالخطاب ، ثم يشتقّ منها مناسبة للموضوع الّذي يريد طرحه ، ومعالجة عناصره ، أو ينتقل بطريقة ما إليه ، شادّا انتباه المتلقّين ولو بالمفاجأة .
وكذلك قد يفعل المدرّس البارع ، الذي يريد اجتذاب أذهان تلاميذه بما يحبّون من مقدّمات وتمهيدات ، حتّى إذا اجتذب انتباههم إليه وانفتحت أذهانهم لحديثه ، انتقل إلى الحديث عن موضوعه الأساس اشتقاقا من مقدّماته أو مفاجأة إلى موضوع درسه وقضاياه .
وقد تكون المقدمات والتمهيدات طويلة جدّا ، وقد يكون الموضوع المقصود الأوّل بالبيان والشّرح قصيرا .
وفي هذا يعلّمنا اللّه عزّ وجلّ أسلوبا من أساليب البيان البليغ ، الذي يكون تأثيره في المقصودين بالخطاب أرجى .
ويمكن تقسيم سورة ( مريم ) إلى قسمين :
القسم الأول : هو من الآية الأولى في السّورة ، وحتى غاية الآية ( 63 ) منها .
وبعده جاء الفاصل الاعتراضي الذي سبق بيانه ، وهو الآية ( 64 ) ويلحق به الآية ( 65 ) .
القسم الثاني : هو من الآية ( 66 ) من السورة ، وحتى غاية الآية ( 98 ) آخر السورة .
وهذا القسم هو المقصود الأول في موضوع السّورة .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 369
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٦٩