وهذا الاعتبار يأتي عن التفكّر في أسباب إهلاكهم إهلاكا جماعيّا عامّا ، وعن طريق دراسة آثارهم وبقايا قراهم ومساكنهم ، وكيف دمّر اللّه عليهم ، فهذه شواهد على أنّ اللّه بعزّته وعدله وحكمته أهلكهم بأحداث عظيمة كبرى مدمّرة تدميرا شاملا ، على خلاف مجاري الكوارث الصغرى ، الّتي يبتلي اللّه بها عباده ، والّتي تأتي بها السّيول والفيضانات والرّياح وغيرها والّتي تصيب بمصائب جزئية محدودة ، ولكنّها لا تدمّر تدميرا كلّيّا شاملا .
فإذا درسوا وتفكّروا بأحوال هذه القرى والمدن المدمّرة تدميرا شاملا ، وعلموا أنّ ذلك قد حصل بسب تماديهم في الكفر والعناد وتكذيب الرّسل ، ونشر الفساد والإفساد في الأرض ، وعلموا أنّ اللّه جلّ جلاله قد أنجى الّذين آمنوا واتّبعوا رسل ربّهم ، من هذا الهلاك الشامل ، تحقّق لديهم دليل ذو آثار حسّيّة مشهودة ، وهذا الدّليل يضاف إلى الدليل العقليّ الّذي يكشف للنّاظرين بأفكارهم النّظيفة ، وعقولهم الحصيفة ، أنّ حكمة اللّه - جلّ جلاله - لا بدّ أن تميّز بين المؤمن والكافر في الجزاء ، ولا يمكن أن تسوّي بين المسلمين والمجرمين .
وقد جاء هذا النّصّ معطوفا بحرف العطف « الواو » على معطوف عليه مطويّ ، دلّت عليه النّصوص السابقة له في سورة ( فاطر ) ومنها الدّالّة على أنّ اللّه ليس من حكمته أن يسوّي في الجزاء بين من زيّن له سوء عمله فرآه حسنا ، وبين من آمن وعمل صالحا .
وتحليل العبارة يكون كما يلي :
ألم يكفهم الدّليل العقليّ الدّالّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ ليس من شأنه أن يسوّي في الجزاء بين المسلمين والمجرمين ، والدّال على أن سنّة اللّه في عباده سنّة ثابتة لا تبديل لها ، ولا تحويل فيها ، أولم يسيروا في
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 267
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٦٧