هذا احتمال غير مستبعد ، بسبب أنّ الّذين أهلكوا من مكذبي الرّسل السّابقين ، لا يرجعون إلى الحياة الدّنيا ، ليخبروا بأنّ اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - قد أهلكهم وعذّبهم بسبب كفرهم وتكذيبهم رسل ربّهم ، وبأنّهم يلاقون عند ربّهم عذابا في البرزخ ، وبأنّهم يترقّبون عذابا أليما يوم الدّين في نار جهنّم .
هذا الاحتمال دلّت عليه عبارة :
أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ
( 31 ) ؟ !
فالمعنى : أيشكون في سبب تعرّض المهلكين السّابقين للهلاك الشّامل ، لأنّهم إليهم لا يرجعون ، فلا يخبرون بما جرى لهم ؟ ! .
ومع أنّ هذا الاحتمال احتمال ساقط لا يعتمد عليه أولوا الألباب ، إلّا أنّه أقوى احتمال يمكن أن يتذرّع به المكذبون المعاصرون للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، على الرّغم من ضعفه وسقوطه وعدم صلاحيّته للاعتماد عليه .
وقد ابتعدت عن هذا المعنى أذهان المفسّرين ، إذ تشبّثوا بقيود الصناعة النحويّة ، وغفلوا عن أنّ القرآن المجيد له أسلوبه الخاصّ في المحاذيف ، وفي الاختزالات الإيجازيّة الّتي يكشف دقائقها التأمّل في المعاني وروابطها ، وحسن التّدبّر لما في القرآن المجيد من المثاني .
* * *
قول اللّه تعالى :
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
( 32 ) :
سبق توجيه قراءتي [ لمّا ] بتشديد الميم و [ لما ] بتخفيف الميم .
والمعنى على قراءة [ لمّا ] : وما كلّ من الأوّلين والآخرين إلّا جميع لدينا محضرون ، بعد بعثهم للحياة الأخرى ، ليلاقي الممتحنون في الحياة الدّنيا منهم حسابهم ، وفصل القضاء بشأنهم ، وجزاءهم ، على ما أسلفوا في رحلة الحياة الدّنيا دار الابتلاء .