ولا يتأثّرون بداوافع الإمساك من بخل وشحّ وخوف من الفقر فيقتّرون ، وهذا سلوك في حياة بعض النّاس ، يدلّ على تعادل في شخصيّاتهم يرشّحهم لأن يرتقوا في الدّرجات ، حتّى يكونوا من عباد الرّحمن حقّا نظير سلوك الّذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا :
سلاما .
وكلا السّلوكين هما من درجات مرتبتي الأبرار والمحسنين ، لأنّ الإسراف في غير معصية لا يخلّ بحقوق مرتبة المتّقين ، والتّقتير من غير منع للحقّ والواجب ، لا يخلّ أيضا بحقوقها ، فالقوام في الإنفاق هو من مقتضيات مرتبتي الأبرار والمحسنين ، الجامعتين لفريق عباد الرّحمن .
ومن لم يكن في أصل خلقه هذان السّلوكان فعليه أن يتخلّق بهما إذا أراد أن يكون من « عباد الرحمن » حقا .
و « عباد الرّحمن » حينما يكون إنفاقهم لأموالهم وسطا معتدلا قواما لا إسراف فيه ولا تضييق ، فإنّهم يتحلّون بهذه الصّفة التزاما بمنهج الإسلام في إنفاق الأموال ، فإذا أنفقوا لم يسرفوا ببذل أموالهم في المعاصي والتّرف والرّفاهية الزّائدة ، زهدا بمتاع الحياة الدّنيا ، واستخداما للمال فيما خلق من أجله ، ولم يقتروا على أنفسهم وأهليهم ، بل منهجهم منهج وسط لا إسراف فيه ولا تقتير .
ومع تحلّيهم بهذه الصّفة فإنّهم يدركون قيمة المال في الإسلام ، وأنّه قد جعله اللّه قياما للنّاس ، فيه قيام معاشهم .
لقد أوصى اللّه عزّ وجلّ الإنسان المؤمن المسلم بقوله في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ( 27 ) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ