تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
فقولهم :
وَمَا الرَّحْمنُ ؟
يدلّ على أنّهم يستفهمون عن الظّواهر الّتي تدلّ على أنّ اللّه القويّ العزيز متّصف حقيقة بالرّحمة ، أي : وما هي ظواهر كون اللّه رحمانا ؟ لذلك جاء في الآيتين التاليتين لهذه الآية بيان بعض ظواهر رحمته عزّ وجلّ ، وبعض آياته في كونه الدّالّة على أنّه هو الرّحمن الرّحيم . فلقد جعل من رحمته بعباده في السّماء بروجا ، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ، وجعل اللّيل والنّهار يتعاقبان بنظام دقيق ، وفي كلّ ذلك منافع كثيرة للنّاس ، وهي من عناية اللّه ورحمته بعباده . ومن حكمة اللّه أنّه اختار تقديم ظواهر وآيات سماويّة ذات آثار أرضيّة ، لأنّ آلهتهم أرضيّون لا يصلون إلى التّصرّف بما في السّماء بحسب معتقداتهم ، ولو أنّه اختار ظواهر وآيات أرضيّة لقالوا : هذه من رحمة آلهتهم بهم ، ولجادلوا فيها .
أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا
أو [ أنسجد لما يأمرنا ] : أي : أنسجد لوصف تأمرنا أن نسجد للّه من أجله - وأنسجد لوصف يأمرنا محمّد أن نسجد للّه من أجله ، ونحن لا نعلمه ، ولا نجد له أثرا في حياتنا ؟ ! وسبب إنكارهم هذا أنّهم يعتقدون أنّ آلهتهم الّتي يعبدونها من دون اللّه هي الّتي تجلب لهم المنافع في حياتهم ، وتدفع عنهم المضارّ . ولذلك قال أبو سفيان قائد جيش المشركين في غزوة أحد ، بعد أن انكشف المسلمون ، وتحوّلت عنهم رياح النّصر : أعل هبل ، زاعما أنّ انتصار المشركين قد كان بسبب إمداد الصّنم المعروف « هبل » لهم بالنّصر . فأجابه عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه بقوله : اللّه أعلى وأجلّ .
وَزادَهُمْ نُفُوراً :
أي : وزادهم الرّسول إذ قال لهم : اسجدوا للرّحمن ، نفورا عن السّجود للّه عزّ وجلّ .