أقول : تعيين أنّ حشر الكافرين عميا وبكما وصمّا هو في حالة السّوق إلى دار الجزاء ، لا دليل عليه من النصّ ، بل قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الفرقان ) التي نتدبّرها :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
( 12 ) .
يدلّ على أنّهم لا يكونون صمّا حين سوقهم إلى دار الجزاء ، بل يسمعون تغيّظها وزفيرها ، إذ اقترابهم منها يكون عند سوقهم إليها .
والظاهر أنّ انطماس حواسّهم الثلاث يكون كما ذكرت آنفا ، في موقف الحشر ، الذي يكون فيه الانتظار الطويل للحساب وفصل القضاء ، وهو الذي يتلاءم معه قول المعرض عن ذكر اللّه في الدنيا ، كما جاء في سورة ( طه / 20 مصحف / 45 نزول ) :
. . . رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً . . .
( 125 ) .
أمّا في حالة سوق الكافرين إلى النار ، فيكونون عميا ، ولا يكونون صمّا . ودلّ على أنّ سماعهم لتغيّظها وزفيرها يكون عند سوقهم إليها ، ما جاء عقب هذا البيان ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ :
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
( 13 ) :
فالترتيب في البيان يشعر بالترتيب في الواقع ، واللّه أعلم .
فمعنى الآية بعد هذا البيان التحليليّ :
إذا كان المكذّبون بالساعة يوم الدين في مكان يمكن أن يروا فيه النار ، لو كانوا ذوي أبصار ، لم يسلبوا القدرة على الرؤية بها ، سمعوا أصوات غليان وفوران المنصهرات فيها ، وسمعوا ما فيها من تفجّرات ، وسمعوا أصوات الأنفاس والرّياح السّموم التي تدفع بها عند الزّفير .
ولو أنهم كانوا يرون لرأوا حتما لهب النار ، لأنّ مدى قدرة الأبصار