« وهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة من علاقات المجاز الكثيرة » والعلاقة هنا « الفاعليّة والمفعوليّة » فأسند ما هو للفاعل للمفعول .
ومن أساليب العرب قولهم في المتباعدين : لا تتراءى ناراهما ، أي :
لا ترى كلّ منهما الأخرى ، للبعد الشاسع بينهما .
ونتساءل هنا : هل يدلّ التعبير الّذي جاء في الآية على أنّ المكذّبين بالسّاعة يكونون في هذه الحالة عميانا لا يرون النّار ، إلّا أنّهم يكونون في موقع من يراها لو كان بصيرا ، بدليل التعبير بأنّ النّار تراهم ؟
أقول : هذا من الاحتمالات المقبولة ، وقد يؤكّده أنّهم يسمعون صوت تغيّظها ، ويسمعون زفيرها . ولم يذكر الشّهيق ، إمّا إيجازا لأنّ الزّفير يدلّ عليه ، وإمّا لأنّ الشّهيق يكون الصوّت معه أخفض ، إذ يدخل إلى النّار برفق ، فهم لا يسمعونه من ذلك البعد المشار إليه في النصّ .
وبنظرة عامّة حول واقع حال الحواسّ الثّلاث للمسوقين إلى العذاب يوم الدّين ( البصر ، والسمع ، والنطق ) استنباطا ممّا جاء في القرآن ، نلاحظ ما يلي :
( 1 ) جاء في بعض النصوص ما يثبت أنّهم يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصمّا .
( 2 ) وجاء بالنسبة إلى من أعرض عن ذكر اللّه بعد معرفته ، وسلوك سبيله ، بأنّه يحشر يوم القيامة أعمى ، ولم يأت أنه يحشر أيضا أصمّ ولا أبكم ، بل جاء أنه يقول :
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
« 1 » .
أي : كنت من أهل الإيمان ، فيقول اللّه له كما جاء في سورة ( طه / 20 مصحف / 45 نزول ) :
هامش
( 1 ) ( طه / 20 مصحف / 45 نزول ) آية 125 .