القضية الأولى : أنّه نبيّ ، لأنّه لا يكون هذا التنزيل من اللّه إلّا بالوحي إليه ، والوحي من خصائص النبوّة .
القضية الثانية : أنّه رسول ، لأنّ القرآن يشتمل على بلاغات للناس ، وقد جاء فيه تكليفه أن يبلّغه للناس ، وأن يكون لهم بشيرا ونذيرا ، وذلك من أخصّ خصائص الرسالة .
وقد شرّف اللّه رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأن جعله عبده ، فأضافه إلى نفسه ، وهذا يتضمّن أن الرسول قد حقّق في نفسه أوصاف العبوديّة التامة للّه تعالى ، فمنحه اللّه هذا الوصف تشريفا له .
هذه العبوديّة الخاصّة غير العبوديّة العامّة التي هي لازم طبيعيّ للخلق والملك ، فالعبوديّة العامّة يشترك فيها كلّ من خلق اللّه من إنس وجنّ وملائكة ، ولكنّ الكافرين لم يحقّقوا في أنفسهم باختيارهم الحرّ عبوديّتهم للّه عزّ وجلّ ، فاللّه تعالى يخرجهم من دائرة الانتساب التشريفيّ إليه بالعبوديّة ، كما يخرج الأب ولده العاقّ من دائرة البنوّة المكرّمة .
والعصاة من المؤمنين يبتعدون عن مكان القرب التشريفي والتكريميّ بالعبوديّة للّه عزّ وجلّ ، على مقادير معاصيهم شدّة وضعفا ، كثرة وقلّة .
والمطيعون العبّاد للّه يزدلفون إلى مقام القرب إلى اللّه على مقادير طاعاتهم وقرباتهم .
روى البخاري بسنده عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عن ربّه عزّ وجلّ « حديث قدسي » :
« إذا تقرّب العبد إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا ، وإذا تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا ، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة » .
وروي البخاري بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « حديث قدسي » :
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 326
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٢٦