وحين يبعثون لا يشعرون إلّا أنّهم كانوا في مثل نومة كانوا ينامونها في الدّنيا قبل منتصف النّهار ، أو بعد منتصفه ، فكأنّهم لم يلبثوا بين الموت والبعث إلّا عشيّة أو ضحاها .
أمّا العذاب الّذي ذاقوه في مدّة البرزج فشعورهم نحوه بعد البعث يشبه شعور من مرّت به في نومه أحلام مؤلمة جدّا باقية في ذاكرته .
*
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ؟
: إنّهم بعد أن يندبوا أنفسهم بالويل خوفا وحزنا وهلعا ، يقولون هذا القول .
البعث : يأتي في اللّغة بمعنى الإحياء من الموت ، ويأتي بمعنى الإيقاظ من النوم .
المرقد : المكان الّذي ينام فيه النّائم ، ويطلق بمعنى الرّقاد ، على أنّه مصدر ميميّ . الرّقاد : هو النّوم ، يقال لغة : « رقد ، يرقد ، رقدا ، ورقودا ، ورقادا » : أي : نام .
لقد كان الموت بالنسبة إلى إحساس نفوسهم بمثابة النّوم ، وحين البعث تعود إليهم مشاعرهم التي كانوا عليها قبل الموت ، فيقولون :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ؟
! : أي : من أيقظنا من نومنا ؟ .
وعقب هذا التّساؤل يدركون أنّهم في موقف حشر . يساقون حفاة عراة إلى حساب ربّهم ، وفصل قضائه بينهم ، ثم إلى تنفيذ جزائه بالعقاب أو بالثواب ، بحسب حال العبد الّذي كان موضوعا في الحياة الدنيا موضع الامتحان .
* * * قول اللّه تعالى :
. . . هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
( 52 ) :