قوله اللّه تعالى :
*
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
( 36 ) :
تمهيد :
في هذه الآية يوجّه اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - أنظار المتفكّرين ، لآية عظيمة من آيات ربوبيّته المنبثّة في الكون ، إذ نظّم الخلق وفق سنّة الزّوجية ، الّتي يتمّ فيها كلّ من الزّوجين صاحبه ، لينفرد اللّه عزّ وجلّ بالوحدانيّة .
وهذا النظام يشهد للرّبّ الخالق بأنّه واحد أحد فرد صمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، ولا صاحبة له ولا ندّ .
ويلاحظ في هذه الآية التنويع في البيان ، إذ جاء البيان فيها بأسلوب مشتمل على تغيير النّسق في عرض آيات اللّه في كونه ، على السّنّة المتّبعة في القرآن ، الّتي تعرض بمقتضاها الأشباه دون أن تلتزم فيها الوتيرة الواحدة ، بل يجري فيها التنويع .
لقد بدأ عرض آيات اللّه في كونه أوّلا بأسلوب الاستفهام الإنكاري ، في قول اللّه تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ
( 31 ) ؟ !
وجاء بعده استخدام أسلوب العرض الخبريّ ، فقال اللّه تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
( 33 ) .
ثمّ جاء اختيار أسلوب افتتاح العرض بتنزيه اللّه فقال تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
( 36 ) .