التاريخ البشريّ حتّى شرك مشركي الأمم ، إبّان دعوة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي مقدّمة المعالجين مشركو العرب ، الّذين واجهوا أوّل بيانات الدّعوة المحمّديّة .
ومن الحكمة في معالجة شرك المشركين الّذين يعبدون من دون اللّه شركاء له ، البدء بقضيّة الإيمان بتوحيد الربوبيّة للّه عزّ وجل .
أي : ببيان أنّ الخالق الممدّ بعطاءات الرّبوبيّة كلّها ، هو اللّه وحده لا شريك له ، فلا رازق غيره ، ولا محيي غيره ، ولا مميت غيره ، ولا راحم غيره ، ولا نافع غيره ، ولا ضارّ غيره ، ولا يرزق الأولاد غيره ، ولا يهب البنين والبنات غيره ، فهو الذي يجب أن يعبد بالعمل بآياته المنزّلات على رسوله ، وأن لا يشرك بعبادته أحد كائنا من كان ، وكائنا ما كان .
التدبّر التحليلي :
قوله اللّه تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها . . .
( 189 ) :
هذا النّصّ يدلّ بوضوح كامل على أنّ السّلالات البشريّة مشتقّة من نفس واحدة ، يستوي في هذا ذكورها ، وإناثها ، فالنّطف المنويّة الّتي يقذفها الذّكور هي الحاملة للسّلالات البشريّة ذكورها ، وإناثها ، وكلّها ترجع إلى الذّكر الأول ، وهو آدم عليه السلام ، فكلّهم من نفس واحدة ، هي النّفس المتصفة بالذّكورة .
ومن حكمة اللّه الخالق الرّبّ جل جلاله ، أن جعل من نوع هذه النّفس الواحدة ، زوجها ، ليسكن الزّوج الذكر إليها ، أي : ليسكن حين الاندفاع إلى القرين المؤنس مائلا إليها ، فإذا انضمّ إليها سكن جسده ، وسكنت نفسه ، واستسلم للرّاحة السّعيدة .
التعبير بفعل « جعل » في :
وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها
يدلّ على الحالة الدّائمة في السّلالات البشريّة ، وهي أنّ الذكر من هذا النوع يسكن للزّوج