ما وجّه لهم من إنذارات بعذاب اللّه ، إذا أصرّوا على شركهم ، ولم يستجيبوا لدعوته .
لقد كان عليهم أن يتفكّروا قبل أن يقذفوا شتائمهم دون تفكير .
وقد دلّ على هذا الوجه الثاني صريح عبارة :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ .
جِنَّةٍ :
قال اللّيث : الجنّة الجنون . الاسم والمصدر على صورة واحدة ، يقال : فلان به جنّة ، وجنون ، ومجنّة ، والفعل الماضي منه : « جنّ » بالبناء لما لم يسمّ فاعله .
والمعنى : لو تفكّروا لما جازفوا بإطلاق مقولتهم الّتي ليس فيها من الحقيقة الفكريّة شيء ، فعليهم أن يراجعوا أنفسهم بالتفكّر ، ليعلموا أنّ صاحبهم محمّدا الّذي ينذرهم بعذاب ربّهم ، أكمل منهم عقلا وتفكيرا ، وأبصر منهم بما ينفعهم وبما يضرّهم .
وعليهم أن لا ينسوا أنّهم قد صاحبوه زمنا طويلا ، فلم يجدوا فيه ما يشعرهم بأيّة أمارة من أمارات الجنون ، بل وجدوا فيه ما يدلّ على عقل راجح ، وفطنة فذّة ، وخلق عظيم .
وأمّا الوجه الأوّل فمطويّ في اللّفظ لم يصرّح به ، لكن أشار إليه حرف العطف « الواو » الوارد بعد همزة الاستفهام ، ولدى التصريح بهذا المطويّ نقول :
ألم يتفكّروا بآياتنا الّتي يبلّغهم إيّاها رسولنا محمّد ، ليعلموا منها أنّه رسول صادق أمين كامل العقل والفطنة ، أو لم يتفكّروا ما بصاحبهم من جنّة « 1 » ، أي : أو لم يتفكّروا بشخصيّة صاحبهم محمّد الذي يعرفونه قبل
هامش
( 1 ) أأكّد أنّ العطف على محذوف مطويّ ، لا يقتصر على الفاء الفصيحة الّتي ذكرها -