وسبق لدى تدبّر السّورة اكتشاف ترابط وتعانق آياتها وقضاياها ، وتسلسلها في وحدة موضوع ، من ثلاثة دروس مطابقة للطّور الّذي كان قد وصل إليه المشركون وهم في شقّ ، والمسلمون وهم في شقّ مقابل مضادّ ، خلال المرحلة الّتي نزلت فيها السورة .
وهو الزّمن الذي بدأت فيه دعوة الإسلام تنتشر في جماعات من الجنّ .
بدأت السّورة بتكليف الرّسول صلى اللّه عليه وسلم أن يقول :
أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ
وأن يحكي مقالاتهم داعين إلى الإسلام بين جماعاتهم كما أنزلها اللّه عليه ، وقد فهمنا أنّهم كانوا دعاة بين قومهم ، من إيحاءات الترابط الفكري بين مقالاتهم .
كان أسلوبهم في بدء دعوتهم إلى الإسلام بين قومهم من الجنّ ، يتضمّن إنباءهم بالحدث الجديد الّذي اكتشفوه في عالم الإنس ، وأنّهم سمعوا قرآنا عجبا معجزا يهدي إلى الرّشد فآمنوا به ، وتخلّصوا من الشّرك الذي كانوا يعتقدونه ، ولن يعودوا إليه ، وأبعدوا عن تصورّاتهم خرافة أن يتّخذ اللّه صاحبة أو ولدا ، كما يظنّ النصارى .
وبعد هذا الإعلان الابتدائي أخذوا يبيّنون بين قومهم ما كانوا عليه قبل إيمانهم بالقرآن ، واتّباعهم الرسول محمّدا صلى اللّه عليه وسلم مسلمين .
فذكروا منشأ الضّلال الّذي ضلّوا به ، وضلّ به جماعات كثيرات من الجنّ ، وهو ما كان ينشره بينهم سفيههم الأكبر إبليس ، وسفهاء الجنّ من ورائه من ضلالات .
وأنّ تأثّرهم به كان بسبب اعتمادهم على الظّنّ الباطل ، الذي جعلهم يصدّقون الكاذبين من الإنس والجنّ ، متوهّمين أنّ الإنس والجنّ لن يقولوا على اللّه كذبا .