إذا جمعنا هذه الفواصل ، وتدبّرناها تدبّرا تكامليّا ، فهمنا منها أنّ اللّه عزّ وجلّ :
( 1 ) قد فصّل بعض آياته في كتابه المجيد
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
( 32 ) :
أي : لقوم يتّابعون مصادر العلم الحق ، لاكتساب ما يهمّهم مما كانوا يجهلون .
( 2 ) وأنّه قد صرّف الآيات
لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
( 58 ) أي : يتابعون ما يدركون ، ممّا يبيّن لهم من آلاء اللّه الّتي هي من آياته في كونه ، بشكر اللّه على نعمه ، وجزيل فضله على عباده .
( 3 ) وأنّه قد فصّل بعض آياته في كتابه للخارجين عن صراطه المستقيم ، لعلّهم يعلمون ،
وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 174 ) : أي : راغبين في أن يعلموا ، وفي أن يرجعوا بتأثير ما يكتسبون من علم إلى صراط الحق المستقيم ، الّذي أودعنا في قدراتهم الفكريّة ما يهديهم إليه ، وأودعنا في نفوسهم وقلوبهم الفطرة الّتي تنزع في داخلهم إليه ، استحسانا وميلا وطلبا ، ولا تصرفهم عنه إلّا وساوس الشياطين وتسويلاتهم ، ونزغات الأهواء والشّهوات واللّذّات العاجلات من متاع الحياة الدّنيا .
التفصيل في الأشياء : يكون بتمييز بعضها عن بعض ، لإبراز حدود كلّ منها ، فالمعرفة الصحيحة من شروطها تمييز حدود عناصرها .
فمعنى قول اللّه عزّ وجلّ :
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 174 ) .
وكذلك التّفصيل الّذي أجريناه في الآيات السابقات من السورة ، نفصّل الآيات في القرآن كلّه ، لقوم يعلمون حتّى يعلموا الحقّ ، ولقوم لديهم الاستعداد والرّغبة في أن يشكروا ، حتّى يشكروا نعم اللّه عليهم ، ولقوم أخرجتهم أهواؤهم عن الصراط المستقيم بجهلهم أو غفلاتهم ، لكنّهم غير ميؤوس من رجوعهم إلى الصّراط المستقيم ، فهؤلاء نفصّل لهم الآيات ، رغبة في أن يعلموا ، وأن يرجعوا إلى الصراط .