فالّذين عملوا السّيّئات ولو كانت من الكبائر كالكفر باللّه والإشراك به ، ثمّ تابوا من بعدها ، ولو أبطأت توبتهم ، بدلالة حرف العطف « ثمّ » ما داموا في مدّة امتحانهم في الحياة الدّنيا ، لم يقفل دونهم باب التوبة ، ولم يقتصروا على التوبة السلبيّة كترك عبادة الأوثان ، بل قاموا بعمل إيجابيّ صالح ، وهو الإيمان الصحيح الخالي من أي شرك ، لأنّه الشرط الأساس للنّجاة عند اللّه يوم الدّين ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يغفر لهم برحمته .
دلّ على هذا المطويّ في مثاني الآية ، الثناء على اللّه بجملة :
. . .
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ :
أي : إنّ ربّك أيّها المخاطب أيّا كنت ، إذا اتبعت سيّئتك بحسنة التوبة والإيمان الصحيح ، لغفور للّذين سبق أن عملوا السّيّئات ، رحيم بهم ، كما هو غفور رحيم دواما .
* * *
قول اللّه تعالى :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ .
( 154 )
بعد التعليق الرّبّانيّ بشأن الّذين اتّخذوا العجل ، أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ موسى عليه السّلام هدأ غضبه ، فأخذ الألواح من الأرض ، وكان قد ألقاها من شدّة غضبه كما سبق بيانه .
*
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ . . .
( 154 ) :
شبّه اللّه عزّ وجلّ لنا حركة الغضب في نفس موسى بثائر ذي مطالب يطالب بها ، ويصيح متحدّثا بها ، ومن آثار هذه المطالب الغضبيّة توجيه التلويم والتثريب وعبارات التّذمّر ، ومن آثارها تحرّك الجملة العصبيّة للمعاقبة والانتقام :