ودلّ هذا الاستفهام على رفضهم لما دعاهم إليه هود عليه السلام ، وكفرهم به ، وتكذيبهم له في نبوّته ورسالته ، وتكذيبهم بما جاءهم به عن ربّه .
المقالة الثانية دلّت عليها عبارة :
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .
هذه المقالة دلّت على أنّ هودا عليه السّلام قد كان ينذر قومه بإهلاك اللّه لهم إهلاكا عامّا معجّلا في الدّنيا ، كما أهلك قوم نوح من قبلهم .
ودلّت أيضا على أنّهم يجزمون بأنّه رجل كاذب غير صادق فيما يخبر به عن اللّه جلّ جلاله ، وغير صادق في ادّعائه أنّه نبيّ اللّه ورسوله ، ومن أجل هذا تحدّوه بأن يأتيهم بما كان يعدهم به ، أي : بما كان ينذرهم به من عذاب اللّه .
الوعد الإخبار بما سيحدث خيرا كان أم شرّا ، وقد يخصّ الوعد في الخير ، والوعيد في الشّرّ ، ولكنّ هذا غير لازم لغة .
ولم يكونوا معتقدين بأنّه رسول صادق يبلّغ عن ربّه ، لأنّهم لو كانوا معتقدين صحّة نبوّته ورسالته لما تحدّوه بأن يأتيهم بما كان ينذرهم به من هلاك معجّل في الحياة الدنيا ، إذ لا يعقل أن يطلبوا إهلاكهم إهلاكا عامّا لمجرّد الإصرار على عبادة أوثانهم من دون اللّه ، ولو أنّهم تجرّدوا عن أوهامهم وعن تقاليدهم العمياء ، لأدركوا أنّ عبادتهم لآلهتهم الوثنيّة لا تجلب لهم نفعا ، ولا تدفع عنهم ضرّا .
كيف يتحدّى ضعيف عاجز جبّارا عظيما ، وهذا العاجز يعتقد في قرارة نفسه أنّ الجبّار قادر على أن ينفّذ وعيده ، لكنّه قد يتحدّاه حين يصدّق أوهام نفسه بأن الجبّار عاجز عن تنفيذ وعيده ، إذ هذا العاجز تحميه قوّة أقوى من قوّة الجبّار .
* * *