ودلّ توجيه هذا الاستفهام على أنّ المخاطبين من قوم هود عليه السلام قد رفضوا الإيمان برسالته ، مستدلّين بأنّ كونه رجلا بشرا أمر مستغرب مثير للعجب ، مخالف لمقتضيات الحكمة ، مع أنّ نوحا عليه السّلام قبل هود قد كان رجلا بشرا ، وكان قوم هود يعلمون هذه الحقيقة .
ودلّنا وجود حرف العطف « الواو » بين همزة الاستفهام وفعل « عجبتم » على أنّ الواو تعطف على محذوف ، نظير ما سبق بيانه لدى تدبّر مقالة نوح لقومه ، والتقدير : أكرهتم ترك ما أنتم عليه من شرك ، واتّباع ما جئتكم به ، وعجبتم أن جاءكم ذكر من ربّكم منزّل على رجل منكم ، فهو يبلّغكم ما أنزل عليه من ربّه وربّكم .
ودلّ لفظ « الذّكر » على أنّ كتابا ربّانيّا قد أنزل على هود عليه السّلام ، تنزيلا منجّما ، ليبلّغه لقومه .
ودلّت العبارة على أنّهم تعجّبوا من أمرين :
الأمر الأول : أن يأتيهم ذكر من ربّهم .
الأمر الثاني : أن ينزل هذا الذّكر على رجل بشر منهم ، وأن يكون هذا الرّجل رسولا للّه يبلّغ قومه الذّكر الّذي أنزل عليه ، وكلّف أن يبلّغه لقومه .
وأقول هنا نظير الذي سبق بيانه لدى تدبّر العبارة المماثلة التي وجّهها نوح عليه السّلام لقومه .
المقالة السّادسة : دلّت عليها عبارة :
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ :
أي : ضعوا في ذاكرتكم دواما أنّكم سلالة القوم الّذين آمنوا بنوح عليه السّلام ، وأنجاهم اللّه بالفلك المشحون ، حين أهلك الّذين كذّبوا بآيات ربّهم ولم يتّبعوها من قومه بالطوفان ، أفلا تخافون أن يهلككم اللّه كما أهلك أولئك ، فأنتم اليوم بشرككم وكفركم ومعاصيكم قد جمعتم الصّفات القبيحة الّتي بسببها أهلك اللّه جلّ جلاله كفّار قوم نوح .