أو بتحريم المباح ، أو يتلاعب بدرجات أحكام الدّين ، فيعظّم الصّغائر ، ويصغّر الكبائر ، ويجعل المندوب واجبا ، ويجعل المكروه حراما ، بغير سلطان من اللّه ، وهو الدّليل الشّرعيّ الكافي لإثبات الحكم الذي يثبته ونفي الحكم الذي ينفيه .
المقالة الخامسة : دلّت عليها عبارة :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ؟
لمّا كان موقف « عاد » من بشريّة « هود » عليه السلام ، مثل موقف قوم « نوح » عليه السلام من بشريّته ، وكان لا حجّة لكلّ من هؤلاء وهؤلاء ، غير إطلاق عبارات الاستغراب والتّعجّب ، كان جواب « هود » عليه السّلام لقومه ، مماثلا لجواب « نوح » عليه السّلام لقومه .
إنّ كون رسول اللّه للنّاس رجلا بشرا ، هو ما تقتضيه الحكمة ، ليكون من نوعهم يحمل مثل طبائعهم ، وليكون في سلوكه أسوة لهم ، وحجّة عليهم .
وكلّ ما اقترح الأقوام ممّا يخالف بشريّة الرّسول أمر يخالف مقتضيات الحكمة .
ولمّا كان التّعجّب المجرّد لا يحمل دليلا لرفض المتعجّب منه ، حتّى يعالج هذا الدّليل بتقديم ما يبطله ويظهر فساده ، كان الرّدّ الحكيم على عبارات التعجّب يقتضي أن يردّ التعجّب بمثله ، مع توجيه ما يشعر باستنكار تعجّبهم ، فجاءت عبارة الرّدّ مصدّرة باستفهام تعجّبي ممزوج بالاستنكار :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ :
أي : إنّ تعجّبكم هو الّذي يستحقّ أن يتعجّب منه ، وأن يوجّه له الاستنكار .
إنّ ما جاء موافقا للحكمة هو الّذي ينبغي أن يحمد ويمجّد ، لا أن يتعجّب منه .