ويمكن صوغ الدليل بطريقة أخرى تسمّى عند علماء المنطق ، بالقياس الاستثنائي :
* لو لم يكن اللّه عزّ وجلّ قادرا على إعادة ما كان قد خلق بعد أن مات وفني ، وهو جلّ جلاله لم يتغيّر من صفاته شيء ، لما كان قادرا على بدء الخلق .
* لكنّه هو الّذي بدأ الخلق بصفاته الّتي هي له دواما من الأزل إلى الأبد .
النتيجة : فاللّه عزّ وجلّ قادر حتما على إعادة الخلق بعد فناء المخلوق إلى مثل ما كان عليه .
لكنّ أمثال هذه الصياغات الرّياضيّة لا تليق بكتاب ربّانيّ معجز في بيانه وأسلوبه ومضامينه ، فجاء فيه عرض هذا الاستدلال نفسه بأسلوب السّؤال الذي ينتزع الاعتراف ويدلّ على لوازمه العقليّة ، وهو الطريقة المثلى للمناظرة التي يراد بها الوصول إلى الحقّ والاعتراف به ، لا المماراة بالباطل القائمة على السّفسطات والمغالطات .
وبهذا ظهر لنا أنّ إعادة الرّبّ الخالق الموتى إلى الحياة مرّة أخرى ، ومرّات كثيرات ، قضيّة واضحة الإمكان لا ينبغي أن يكون فيها لبس ، ولا تحتاج أكثر من ثبوت الخبر عن اللّه ، أو قيام الدليل العقليّ الّذي يقتضي إعادة الحياة لتحقيق العدل الذي تقتضيه الحكمة .
وما دامت القضيّة بهذا الوضوح الفكريّ ، فالّلبس الّذي وقع فيه الكافرون المكذبون بالبعث للحياة الأخرى ، ليس منزعه شبهة فكريّة ذات قيمة ، أو ذات وزن في عالم المفاهيم الفكريّة ، حتّى تناقش وتدفع بالحجّة .
إنّ هذا اللّبس يتساقط تلقائيّا من نفسه ، متى رجع منكر البعث إلى بصيرته الفكريّة الذّاتيّة ، بعد التنبيه الذي يحدثه في فكره السّؤال المطروح .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 83
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٨٣