ينبغي أن تطرح ويتخلّص منها جسمه ، ويوجّه كلّ جزء من أجزائه مهما صغر إلى مكانه المقدّر له ، بإتقان وإحكام غاية في الإبداع والتعظيم والتّسيير ، هل يعقل أن لا يكون عليما بأعماله الاختيارية ، وعليما بما توسوس به نفسه ؟ !
إنّ البديهة العقليّة تثبت بما لا شكّ فيه أنّ اللّه جلّ جلاله لا بدّ أن يكون عليما بكلّ ما يصدر عن الإنسان ، حتّى ما توسوس به نفسه من خواطر عابرة غير مسؤول عنها .
* قوله تعالى :
وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ :
الوسوة : والوسواس : حديث النّفس . وأصل الوسوسة الصّوت الخفيّ ، ومنه صوت الحليّ .
يقال لغة : وسوس يوسوس وسوسة ووسواسا .
والاسم منه : « الوسواس » ويطلق هذا اللّفظ على الشيطان ، لأنّه يوسوس في صدور النّاس ، ويطلق أيضا على همس الصّيّاد الذي يخفي صوته لئلا يحسّ به الحيوان المراد صيده .
وذكر اللّه عزّ وجلّ علمه بما توسوس به نفس الإنسان من خواطر خفيّة جدّا ، للإشعار بأنّه يعلم كلّ شيء يصدر عن الإنسان ، فعلمه بأخفى الأشياء يدلّ على علمه بما هو دون ذلك في الخفاء ، من باب أولى ، فضلا عن الأشياء الظاهرة الّتي لا خفاء فيها .
قوله تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ .
في هذه العبارة تقريب لفكرة شمول علم اللّه لما يعمل الإنسان في ظاهره وباطنه ، حتّى ما توسوس به نفسه .
وجاء في العبارة استخدام ضمير المتكلّم العظيم ، لما في الموضوع المتحدّث عنه من عظمة ربوبيّة الرّبّ .