الأوّل . وهو ما زال ولن يزال من الأزل إلى الأبد على ما هو عليه في ذاته وصفاته ، لا يعيا بإعادة الخلق بعد فنائه ، ولا يعجز عنه .
إذن : فكيف يقع في توهّم المكذّبين بيوم الدّين ، وبالبعث للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، استبعاد هذا الإحياء بعد الموت ، استبعادا يجعله في تصوّرهم أمرا غير ممكن الوقوع ؟ !
هذا الدّليل دليل برهانيّ موجّه للّذين بدأت السّورة بالحديث عنهم ، وهم الكافرون الذين قالوا :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
( 3 ) .
* قول اللّه تعالى :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
( 15 ) .
اللّبس : بإسكان الباء وفتحها في اللّغة : اختلاط الأمر . يقال لغة :
فلان في رأيه لبس ، أي : في رأيه اختلاط .
ويقال : التبس عليه الأمر ، أي ؛ اختلط واشتبه .
وجاء الإضراب بحرف
بَلْ
بعد طرح السؤال الاستفهاميّ التّعجيبيّ
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ؟ !
ليدلّ هذا الإضراب على أنّ جوابهم سيكون حتما : « لا » ، لأنّ الواقع المشاهد دامغ لهم ، وهم لا يستطيعون جحوده ، ولو بالمكابرة ، إلّا إذا فقدوا عقولهم وحواسّهم .
ولكن يلزم من اعترافهم بعدم العجز في الخلق الأوّل ، أن يعترفوا بأنّ الخالق جلّ جلاله لا يعجز عن الخلق الجديد ، الذي تتمّ به إعادة الموتى إلى الحياة بعد فناء أجسادهم ، فهذا لازم عقليّ حتميّ .
لكنّهم لم يعترفوا بهذا اللّازم العقليّ ، ولم يؤمنوا بوقوعه بعد البيانات الرّبّانيّة المنزّلة على الرّسول المؤيّد بالمعجزات الباهرات . بل هم في لبس من خلق جديد ، بتأثير رغباتهم وأهواء نفوسهم .
لقد قطعوا الصّلة بين القضيّة المشهودة الحسّيّة ولازمها المنطقيّ