القضيّة الثانية : أنّ الّذين كذّبوا محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد بعثته ليسوا بدعا أيضا في تاريخ البشريّة ، فقد سبقتهم أمم كثيرة كذّبوا رسل ربّهم ، وكذّبوا بنبأ يوم الدّين ، وكانت مقالاتهم في التكذيب مشابهة لمقالات مكذّبي الرسول ، تشابهت أفكارهم ونفوسهم وقلوبهم .
ألم يكفر من قبلهم قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وفرعون وملؤه وقومه ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ؟ ! ! .
القضيّة الثالثة : أنّ سنّة اللّه في المكذّبين الأوّلين أن يتوعّدهم بالعذاب والإهلال إذا أصرّوا على كفرهم ، وأن يحقّق فيهم وعيده متى اقتضت حالتهم الّتي وصلوا إليها إنزال الهلاك فيهم ، ويكون ذلك حينما تصير حالتهم حالة ميؤوسا منها يأسا كاملا ويكثر إفسادهم في الأرض .
أي : والّذين كذّبوا محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم تنطبق عليهم هذه السنّة من سنن اللّه ، فليرتقبوا إهلاكهم متى صارت حالة عامّتهم ميؤوسا منها ، وكثر إفسادهم في الأرض .
وقد دلّ الواقع على أنّ حالتهم العامّة لم تبلغ إلى هذا المستوى ، ولهذا لم ينزل اللّه بهم الإهلاك العامّ ، كما فعل بالمهلكين السّابقين ، وإنّما أهلك منهم وعاقب أفرادا ، ونصر في المعارك أولياءه على أعدائه ، وهذه ميزة امتاز بها العرب أيّام بعثة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع كلّ ما كان منهم من عناد وإصرار ومشاقّة للّه ورسوله ، فإنّهم لم يصلوا إلى مستوى يستحقّون به الإهلاك العامّ الشامل .
وفي عرض هذه السّنّة من سنن اللّه عزّ وجلّ تحذير ووعيد للمكذبين ، بأنّهم إذا وصلت حالتهم إلى المستوى الذي يستحقّون به الإهلاك العامّ ، فإنّ اللّه سيهلكهم كما أهلك الّذين كذّبوا بنبأ يوم الدين من أهل القرون الخوالي ، ولن يكونوا معفيّين من تطبيق هذه السّنّة عليهم ، وإهلاكهم إهلاكا عامّا شاملا ، فسنّة اللّه لا تبديل لها .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 73
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٧٣