وقد عرض اللّه عزّ وجلّ في هذا الدّرس من المكذبين الأوّلين الّذين أهلكوا بسبب كفرهم وإفسادهم في الأرض ثمانية أقوام ، تعجّبوا من أن يكون رسول اللّه بشرا مثلهم ، واستبعدوا قضية البعث ليوم الدين ، وهم :
( 1 ) قوم نوح عليه السّلام : وقد جاء ذكرهم في هذه السّورة مع بيان أنّهم من الذين كذّبوا الرّسل من أهل القرون الأولى ، وأنّهم قد حقّ عليهم وعيد اللّه لهم بالإهلاك ، فأهلكوا ، وإذ جاء بيان إهلاكهم مثالا لسنّة اللّه في إهلاك مكذّبي الرّسل متعلّلين بأنّهم بشر مثلهم ، والمكذّبين بيوم الدين متعلّلين بأنّه أمر مستغرب عجيب لا يمكن أن يحدث ، فلا بدّ أن يكون واقع حالهم كذلك ، ولو لم يأت في هذا النّصّ تصريح بهذا .
وحين نستعرض قصّة نوح وقومه في سائر سور القرآن ، نجد في بعضها التصريح بهذا الأمر الذي فهمناه استنباطا .
فقد جاء في عرض لقطات من قصة نوح عليه السّلام مع قومه في سورة ( الأعراف / 7 مصحف / 39 نزول ) حكاية قول نوح عليه السّلام لقومه :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ
( 64 ) .
فدلّ هذا النّصّ على أنّ حجّتهم في تكذيب رسول ربّهم لم تكن أكثر من التعجّب من كونه رجلا بشرا منهم ، والتعجّب من إنذاره لهم بيوم الدّين .
وتشعر عبارة :
أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ
بأنّ اللّه قد أنزل على نوح عليه السّلام كتابا يجب أن يتّخذه قومه ذكرا ، بعد أن يتلقّوه ، ويعقلوه ويتفهّموا دلالاته .
( 2 )
أَصْحابُ الرَّسِّ
: ولا بدّ أن يكون حال هؤلاء كحال قوم نوح عليه السّلام ، في تعجبهم من أن يأتيهم رسول منهم ، ومن نبأ البعث .