الشجرة المحرّمة عليهما ، وأنّه خالي الذهن من هذه القضيّة تماما ، وأنّه حريص على نصحه ، فهو أسبق منه وجودا ، وأعلم بحقائق كثير من الأمور ، وبصفات الأشياء وخصائصها ، وأغراه بالخلد في الجنّة ، بحياة أبديّة دائمة لا تنقطع مع نعيم عظيم وملك لا يبلى ولا يفنى .
أمّا الخلد فبتأثير عنصر أو مجموعة عناصر تشتمل عليها شجرة الخلد ، وسمّاها إبليس شجرة الخلد قبل أن يدلّ آدم عليها ، لإشعاره بأنّ هذا الاسم الوصفيّ هو اسمها المعروف عند أهل الملأ الأعلى ، وهي شجرة من أشجار الجنّة .
فاستثار إبليس بهذا العرض طمع آدم وتشوّقه لمعرفة هذه الشجرة ، حتّى يأكل منها .
ومعلوم أنّ النفس الإنسانيّة متى تعلّقت بمجهول فيه مطلب عظيم من مطالب النفس ، أخذت تغلي مراجلها للتّعرّف عليه ، والوصول إليه ، واستعماله لتحقيق مطلوبها العظيم .
وهذا هو أسلوب التّشويق للرّبط والإزلاق .
وأمّا الملك الّذي لا يبلى ، أي : لا يفنى ولا يهترئ كما تبلى الثياب ، فهو فيما يظهر إغراؤه بسلطان دائم على ذرّياته الّذين يتناسلون منه فيها ، بعد أن يأكل من شجرة الخلد فيكون من الخالدين ، وإغراؤه بسلطان دائم على أهل الجنة وسكانها من غير ذرّياته .
بعد هذا التشويق والتعليق للرّبط والإزلاق ، لا بدّ أن يكون آدم قد قال لإبليس : نعم ، دلّني عليها . ولكنّ النصّ سكت عن هذا إيجازا .
وهنا يأتي دور إبليس في إلهاب أشواق آدم للتعرّف على شجرة الخلد ، ومع لهيب الشّوق يحصل في البصيرة غشاوة وسلطان هوى ، لكنّ هذه الأطوار قد طواها القرآن ، لإمكان التوصّل إليها بالتدبّر والتفكير العميق .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 714
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٧١٤