ولكن ما فائدة مطالبتهم له بأن يحكم بالحقّ ، وبأن لا يجوز في حكمه ، ومثل داود عليه السّلام لا ينتظر منه أن يحكم بالباطل ، ولا أن يجور ؟ .
أما كان يكفي الاقتصار على أحد الأمرين ، لأنّه إذا حكم بالحقّ لم يكن جائرا ؟ ؟ .
أقول : لمّا كان المتقاضيان عنده ملكين في حقيقة أمرهما ، وقد جاءا لموعظته ، وتنبيهه على ما كان منه في مشابه قضيتهما ، ولمّا كان من معاني الشطط تجاوز القدر الذي يليق بمثله ، إلى ما لا يليق بمثله ، ولو لم يكن فيه مجاوزة لحدود الحقّ ، كان من الحكمة أن يقدّما له في الكلام ما يتضمّمن دلالات رمزيّة على أنّ ما كان منه قد كان من قبيل الشطط في التصرّف ، باستغلال سلطته في الملك ، ولو لم يجاوز فيه حدود الحقّ فيما يظهر ، فمن الحقّ ما هو شطط لا يليق بنبيّ رسول ، مسؤول عن المحافظة على مرتبة المحسنين .
*
وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ :
أي : وبعد أن تنطق بالحكم الّذي تراه في قضيتنا ، وجّه لنا الإرشاد والنّصح المناسب الذي يهدينا إلى التزام سواء الصّراط ، هداية دلالة وإرشاد وترغيب في الخير ، وترهيب من الشرّ والإثم .
سواء الصراط : هو الصراط المستوي المستقيم الّذي لا التواء فيه ، ولا تعرّجات ولا تشعبات .
والمراد صراط السّلوك في الحياة ، وأصل الصراط الطريق الواسع الواضح ، ونقل في الاصطلاح الدينيّ إلى ما ينبغي أن يعمله الإنسان في حياته من سلوك نفسي وفكريّ وجسديّ ظاهر .
وهذا الطلب التوجيهيّ يرمز ضمنا إلى أنّ الخصمين ومن معهما هم رسل من الملائكة ، أرسلهم اللّه إليه لتذكيره ، وموعظته ، وتعليمه أصول