وواقع حال الأرض الّتي جعلها اللّه عزّ وجلّ دار سكنى الناس في الحياة الدنيا ، يشهد بأنّها متمدّدة كتمدّد السّقاء ، وأنّ اللّه جلّت حكمه وعظمت نعمه ، قد أمدّها بعناصر وفيرة لرزق العباد ومنافعهم .
والتدبّر الأمثل يدعوا إلى حمل اللّفظ على معنييه ، فكل منهما يدلّ على إتقان صنع اللّه ، وكمال حكمته ، وعظيم رحمته وعنايته بعباده .
قول اللّه تعالى :
وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ،
أي : وألقينا في الأرض جبالا ثوابت رواسخ ثبّتت قشرتها .
يقال لغة : رسا الشيء يرسو رسوا ورسوا ، أي : ثبت . ويقال : رسا الجبل ، أي ، ثبت أصله في باطن الأرض .
وكلمة
رَواسِيَ
هي في الأصل صفة لموصوف محذوف ، هي الجبال ، ولكثرة استعمالها صفة للجبال استغني عن ذكر الموصوف ، ونزّلت الصّفة منزلته في أصل الدلالة ، مع زيادة معنى الثبوت والرّسوخ .
ولعلّ في كون الجبال ملقاة إلقاء إشارة إلى أنّ الأرض كانت ممدّدة كالسّقاء ، ثمّ حصلت فيها تفجّرات بركانيّة ، نجم عنها ترامي حمم بركانيّة في الجو ، وألقيت هذه الحمم في الفجوات الّتي أحدثتها البراكين العظمى ، فكانت الجبال الرّواسي .
ما جاء في القرآن بشأن امتنان اللّه على عباده في الأرض بالجبال الرواسي :
نطالع في القرآن المجيد أحد عشر نصّا يمتنّ اللّه فيها على عباده بالجبال الرواسي ، عشرة منها مكيّة ، والحادي عشر منها مدني ، وهي ما يلي مرتبة بحسب ترتيب نزول سورها :
النصّ الأول : قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( المرسلات / 77 مصحف / 33 نزول ) في معرض الحديث عن الأرض :