تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
قول اللّه تعالى :
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
على أنّ المراد بالبركة هنا كثرة دلالات آياته على المعاني الوفيرة الغزيرة الفيّاضة ، الّتي يتجدّد عطاؤها كلّما تعمّق المتدبّرون في استنباط المعاني واستخراجها من أعماق بحوره الزّاخرة ، فلا تنتهي عطاءاته الثّرّة ، ولا تفنى عجائبه . وتتجدّد مفهومات دلّت عليها آيات قرآنيّة ، باكتشاف النّاس لحقائق من آيات اللّه التكوينيّة ، في كونه الواسع الفسيح العظيم .
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ :
أي : ليتدبّروها باهتمام وتعمّق أخذا من إدغام التاء بالدال . التدبّر : هو التفكّر الشامل المتتبّع ، بدءا من أوائل دلالات سطح النّصّ القرآنيّ ، حتّى آخر ما يمكن أن يعطي من دلالات ومفهومات ، تدلّ عليها اللّوازم الفكريّة ، أو ما يقتضيه النصّ من معاني مكمّلة ، ويستطيع المتدبّر أن يستخرجها من مطويّات في النّصّ غير مذكورات في اللّفظ ، ويستطيع أنّ يكتشفها من المثاني حينما يبسطها وينظر في أعماقها ، فمن صفات القرآن المجيد أنّه مثاني ، أي : عباراته الملفوظة مكتوبة على الظّاهر الذي يرى من المثاني ، أمّا غير الملفوظة فهي في داخل الثنيات ، وهي الّتي يحتاج استخراجها إلى متدبّر بحّاثة ، عميق التفكّر والتأمّل ، ذي قدرة على الغوص والاستخراج المقرون بالدليل العقليّ ، أو النّصّيّ من نصّ آخر ، يدلّ على ما استخرجه من عمق المثاني المطوية . وأصل التدبّر مأخوذ من النظر المستوعب للشيء حتّى دبره ، وأواخره ، وعاقبته ببصيرة ، حتّى الأطراف البعيدة الّتي يدلّ عليها النص . ومنه التدبير : وهو النظر في الأمور بدءا من أوائلها ، حتّى أواخرها وعواقبها ، ولهذا وصف اللّه عزّ وجلّ نفسه بأنّه يدبّر الأمر في الكون كلّه ، وبأنّه يدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض .