تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
الحياة من طبيعتها ، بل الحياة أمر خارج عنها ، وهي تحلّ فيها ضمن نظام ربّانيّ خاصّ . فإذا حلّت الحياة في قبضة من طين الأرض كانت هذه القبضة وعاء ضامّا كافتا للحياة ، وعند الموت تسلب الحياة من الجسد الذي هو من عناصر الأرض ، ثم يعود الجسد ترابا ، وينحلّ إلى مثل ما كان عليه قبل أن تدبّ فيه الحياة . وتضمّ الأرض الجسد الميّت حتّى تستهلكه ، ثمّ تنشأ حياة أخرى من عناصر الأرض نفسها ، وقد تدخل في تركيب الأجساد الحيّة الجديدة موادّ وعناصر انحلّت من أجساد الأحياء السابقة ، التي ماتت وانحلّت عناصرها إلى التراب ، وهكذا تتكرّر دورات الحياة والموت في الأرض . فالأرض كما هو مشاهد كفات ، يخرج منها أحياء بتقدير اللّه وخلقه ، وهيمنته بصفات ربوبيّته ، ويعود إليها أموات بتقدير اللّه عزّ وجلّ وخلقه ، وهيمنته بصفات ربوبيّته على كلّ شيء ، وربّ قبضة من تراب الأرض ومائها ، دارت عليها نفسها دورة الحياة والموت مرارا وتكرارا ، مجتمعة أو متفرّقة في الأحياء . فأيّ استغراب واستبعاد لأن يبعث اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه الموتى يوم القيامة ، إلى الحياة بحقيقة ذواتهم وصفاتهم مرّة أخرى ، للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء ؟ ! ! وإذا تعمّقنا في تفهّم خلق اللّه للأشياء فإننا نصل إلى أنّ كلّ ما في الوجود يخلقه اللّه عزّ وجلّ خلقا من بعد خلق ، فكلّ شيء يخلق خلقا جديدا بعدد وحدات الأزمنة الّتي تمرّ عليه ، والشيء الواحد في صورته الظاهرة ، هو متعدّد الوجودات بتعدّد الأزمان ، فما خلق جسدا لحيّ في أزمنته ، غير ما خلق جسدا لحيّ آخر في أزمنته ، ولو كان في الظاهر من رفات جسد الحيّ السابق .