وقد علمنا من نصوص الشريعة المختلفة ، أنّ العمل الصّالح ذا الوزن المنجي من الخلود في عذاب النار ، هو الإيمان الصّحيح الصادق ، الخالص من الشّرك باللّه .
واقتصر البيان هنا في التعبير عن نعيم الجنّة لمن ثقلت موازينه على بيان أنّه في عيشة راضية ، فقال تعالى :
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 7 ) .
أي : في عيشة ذات رضا ، بمعنى أنّ صاحبها يكون راضيا كامل الرضى ، إذ ينال فيها كلّ ما يطلبه من نعيم ، وفوق ما يطلبه منه بمزيد من فيوض عطاء اللّه ، حتى يكون راضيا ، غير متكدّر من حرمان أو نقصان عمّا يطلب أو يتمنّى .
ويرى البلاغيّون في عبارة :
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
( 7 ) أنّه من قبيل المجاز العقلي « 1 » ، إذ أسند الرّضا إلى العيشة ، والأصل أنّه هو الراضي بها ، والملابسة أنّه هو صاحب العيشة ، فهي جزء من ذاته .
والغرض البيانيّ الإشعار بمصاحبة الرّضا لكلّ أجزاء عيشة المؤمن في الجنّة ، فلا يوجد عنصر منها ، ولا أجزاء زمنيّة مرافقة لها تخلو من الرّضا ، وهذا المعنى لا تؤدّيه عبارة : فهو راض عن عيشته ، وذلك لأنّ الإنسان قد يرضى عن عيشته ولو دخلت ضمنها منغّصات ، إذ هو ينظر إلى عيشته باعتبار الأغلب من أحوالها ، بخلاف العيشة نفسها الّتي تمرّ أجزاء مع توالي الأزمان ؛ إذ كلّ جزء منها منفكّ عن سابقه وعن لاحقه ، فإسناد الرّضا إليها يدلّ على أنّ كلّ أجزائها مغمور بالرّضا .
هامش
( 1 ) المجاز العقلي : إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في اعتقاد المتكلّم ، لملابسة بينهما ، مع قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له في اعتقاد المتكلم .